بحث عن بحث

 

 آثار قيم الإسلام الخلقية في علاقة السلم والحرب (3- 4)

 

 

ثانيـــــــاً: أثر قيم الإسلام الخلقية في القوانين الوضعيـــــــة

الجانب الثاني الذي يظهر فيه أثر القيم الخلقية غير المباشر في صياغة المجتمع الإنساني هو أثر الشريعة الإسلامية في القوانين الوضعية أما عن مكانة القيم الخلقية في هذا التأثير فلأنها تمثل جانيا مهما من جوانب التشريع الإسلامي هذا من جهة, ومن جهة أخرى فإن التشريعات الإسلامية في المعاملات وفي الأحوال الشخصية وغيرها ذات صبغة خلقية فهي تقوم على العدل والرحمة , والأخذ بها جالب للمصلحة موجي للتآلف والمحبة. لذا فإن اقتباس القوانين الوضعية من التشريعات الإسلامية متضمن للاستفادة من قيم الإسلام الخلقية والانتفاع بآثارها ومعطياتها .

واستمداد القوانين الوضعية من أحكام الشريعة الإسلامية أمر مؤكد فإن أول القوانين الأوربية هو قانون نابليون وهو " القانون المدني الفرنسي الذي نشر عام 1804 , وكان أول تدوين رسمي في أوربا الحديثة(1)" وقد كان صدور هذا القانون بعد قدوم نابليون إلى مصر واطلاع رجال القانون الفرنسي على كتب الفقه الإسلامي(2)" .

يقول سديو الفرنسي: " المذهب المالكي هو الذي يستوقف نظرنا على الخصوص لما لنا من صلات بعرب افريقية , وعهدت الحكومة الفرنسية إلى الدكتور بيرون في أن يترجم إلى الفرنسية كتاب المختصر في الفقه للخليل بن إسحاق (3) (4) " .

- وقد انتقل هذا التأثر من القانون الفرنسي إلى معظم قوانين الدول الأوربية حيث " جاء بعضها, كالقانون البلجيكي منقولا عنه بكامله تقريباً وجاء البعض الآخر منقولا بتصرف اقتضته الظروف الخاصة للدولة التي أصدرته كالقانون الألماني والقانون السويسري(5)" .

ومن أمثلة القيم الخلقية التي استمدتها القوانين الوضعية من الشريعة الإسلامية مبدأ المساواة , فقد أقرتها القوانين الوضعية في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر الميلادي على أن تطبيقها لمبدأ المساواة إنما هو تطبيق محدود بالنسبة للشريعة الإسلامية(6).

وبعد أن ابتليت معظم الدول الإسلامية بالقوانين الوضعية وقام رجال القانون بالترجمة والنقل, لم يجدوا بداً لتلافي ما في تلك القوانين المنقولة من قصور ظاهر وخلل بين من الرجوع لأحكام الشريعة الإسلامية ولم يطل الزمان حتى مست الحاجة إلى إجراء تعديلات جديدة على مواد القانون لأنها كما يقول بعض رجاله:" محض تقليد للتقنين الفرنسي العتيق فجمع بين عيوب التقليد وعيوب الأصل الذي قلده , والتقنين الفرنسي قد قدُم به العهد اليوم فتخلف عن العصر الذي يعيش فيه قرناً ونصف قرن(7)" وفيه " فضول واقتضاب وفيه غموض وتناقض ثم هو يقع في كثير من الأخطاء الفاحشة(8)" .

وسعى رجال القانون في تعديله, ومن الشواهد على كمال الشريعة وصلاحها على مرور الأزمان وتعاقب الأجيال " فقد استبقى التقنين الجديد ما اشتمل عليه التقنين القديم من أحكام أخذها عن الفقه الإسلامي , واستمد أحكاما جديدة أخذها عن هذا الفقه, وجعل بعد ذلك كله الفقه الإسلامي مصدراً رسمياً للقانون المدني يأتي بعد النصوص التشريعية والعرف(9)" .

وليس المقام في النظر في مكان الشريعة الإسلامية من هذا القانون والمكان الصحيح الذي يجب أن تنزل فيه, وإنما المقصود الإشارة إلى أن القوانين الوضعية قد استمدت في كثير من القضايا استمداداً واسعاً من الشريعة الإسلامية .

________________________________________

(1) د. صبحي المحمصاني– فلسفة التشريع في الإسلام ص 44 , دار العلم للملايين – بيروت ط 4 سنة 1975م.

(2) انظر: د . مصطفى السباعي– من روائع حضارتنا ص 58 , المكتب الإسلامي– بيروت ط 3 سنة 1402 ه. د. عمر سليمان الأشقر – الشريعة الألهية لا القوانين الوضعية هامش ص 64 , دار الدعوة – الكويت ط 2 سنة 1406 ه .   

(3) الخليل بن إسحاق بن موسى , فقيه مالكي من أهل مصر ولي الإفتاء , توفي سنة 776 ه , وقيل غير ذلك . الإعلام (2/ 315 )

(4) د . مصطفى السباعي – من روائع حضارتنا ص 58 . وانظر : علي علي منصور الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام ص 47 – 48 , المجلس الأعلى للشئون الإسلامية – القاهرة سنة 1390 ه .

(5) د . صبحي المحمصاني – فلسفة التشريع في الإسلام ص 145 .

(6) انظر : عبد القادر عودة – التشريع الجنائي في الإسلام ( 1 / 27 ) وانظر ص 311 وما بعدها حيث ذكر في بعض القوانين امتيازات ومحاباة لرئيس الدولة ولأعضاء الهيئة التشريعية وللأغنياء . . في الخضوع للقانون أو بعض أحكامه . مؤسسة الرسالة – بيروت ط 9 سنة 1408 ه .

(7) عبد الرزاق السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني ( 1 / 14 ) دار النهضة العربية ط 2 سنة 1964م.

(8) عبد الرزاق السنهوري – المرجع السابق , الصفحة نفسها.

(9) عبد الرزاق السنهوري – المرجع السابق ( 1 / 56 ) نصت المادة الأولى من التقنين الجديد على أنه : " إذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه حكم القاضي بمقتضى العرف , فإذا لم يوجد فبمقتضى الشريعة الإسلامية , فإذا لم توجد فبمقتضى القانون الطبيعي وقواعد العدالة " .

: وزارة العدل – الحكومة المصرية – مجموعة الأعمال التحضيرية ص 182 , مطبعة دار الكتاب العربي – مصر .