بحث عن بحث

الوقفة الثامنة

بم يقضي الحاج وقته؟

من حكمة الله رضي الله عنه بحانه وتعالى أنه فاضل بين الأمكنة والأزمان والأحوال، ومن تلك المفاضلة ما جعل الله تعالى لبيته الحرام من المكانة ما لم يكن لغيره وكذا أيام عشر ذي الحجة التي هي من أفضل الأيام إن لم تكن أفضلها وقد جاء في تفسير قوله تعالى: âوَالْفَجْرِ ﴿1 وَلَيَالٍ عَشْرٍ á[الفجر : 1 – 2]،إن الليالي العشر هي عشر ذي الحجة قاله ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف كما نقله ابن كثير في تفسيره.

وأخرج البخاري رحمه الله في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: «ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام» يعني عشر ذي الحجة قالوا: ولا الجهاد في رضي الله عنه بيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في رضي الله عنه بيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء».

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله التفاضل بين عشر ذي الحجة والعشرة الأخيرة من رمضان فقال: (ليالي العشر الأخيرة من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة، وأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام عشر رمضان).

وبهذا التفصيل يزول الاشتباه ويدل عليه أن ليالي العشر من رمضان إنما فضلت باعتبار ليلة القدر وهي من الليالي وعشر ذي الحجة إنما فضلت باعتبار أيامه إذ فيه يوم النحر ويوم عرفة ويوم التروية .

وإذا كانت هذه الأيام بهذه المنزلة وعلى هذا القدر حريّ بالمسلم أن يحرص على استثمارها بطاعة الله والتقرب إليه.

وأعظم ما يتقرب فيه إلى الله:

1- القيام بالفرائض فهي أحب الأعمال إلى الله كما جاء في الحديث القدسي «وما تقرب إليّ مما افترضته عليه» ولذا فمن استطاع أن يحج فليبادر إلى ذلك، وليحرص كل الحرص على ملء وقته بمختلف الطاعات فإنه قد اجتمع له شرف الزمان والمكان وهذا فضل الله ومنة عليه أن وفقه ويسر أمره وإذا كان تجار الدنيا يتنافسون فيها فإن تجار الآخرة يتنافسون على الدرجات العلا والمنازل الرفيعة وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وحريّ بمن فرض الحج على نفسه أن يبدأ صفحة جديدة مع الله عز وجل صفحة ناصعة البياض لا يسوّدها بذنب ولا إثم كما قال تعالى: âفَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ á [البقرة : 197]، والرفث كناية عن الجماع أو مقدماته أو الكلام الصريح في أمور الوقاع أو الفحش في القول والفسوق الخروج بالقول أو الفعل عن حدود المشروع والجدال هو المراء بالباطل.

وليعلم الحاج أنه ضيف يزور الله في بيته ولا يصح أن يسيء الضيف الأدب عند مضيفه .. وعصيانه وإيذاء زواره من أعظم إساءة الأدب معه.

2- ومن ذلك الدعوة في مختلف الأماكن والأحوال فهو في مكان فاضل وزمان فاضل، ولتكن دعوته مبنية على علم صحيح مقترنة بحس الخلق وبشاشة الوجه، قال تعالى: âقُلْ هَذِهِ رضي الله عنه بِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي á [يوسف : 108].

فالدعوة إلى الله تعالى من أفضل المقامات وأقرب الطاعات، قال تعالى: âوَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ á [فصلت : 33]، وليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، قال تعالى: âكُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ á [آل عمران: 110]، âوَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ á   [آل عمران : 104]،ثم ليكن أمره كله ونهيه برفق ولين فما كان الرفق في شيء إلا زانه وما خلا من شيء إلا شانه.

3- وعلى الحاج أن يكثر من ذكر الله تعالى بقلبه ولسانه فذكر الله يرفع الدرجات ويكفر الذنوب والسيئات ومن أحب شيئًا أكثر من ذكره، قال تعالى: âوَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَá [الجمعة : 10]، وقد أخرج الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه  أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى، قال: «ذكر الله تعالى»، والمكثرون من الذكر هم السابقون للخير، فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبق المفردون»، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: «الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات»،.

الذكر: هو غراس المؤمن في الجنة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه : لقيت إبراهيم صلى الله عليه وسلم ليلة أسري بي فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن أغراسها رضي الله عنه بحان الله والحمد لله ولإله إلا الله والله أكبر.

4- وعلى الحاج أن يحرص على الإكثار من الدعاء فإن الدعاء من أعظم العبادات، وليحرص على الأذكار المشروعة في كل  زمان أو مكان أو حال فيتعلم تلك الأذكار كأذكار الصباح والمساء وعند النوم والاستيقاظ منه ودخول المسجد والخروج منه وغيرها وكذا الأذكار المطلقة التي لم تحدد في وقت ولا مكان ولا حال وبخاصة في الأوقات الفاضلة وفي الأماكن الفاضلة وفي الأماكن الشريفة كالدعاء في ثلث الليل الأخير والدعاء عشية يوم عرفة.

ولا شك أن من دعا الله تعالى مخلصًا في دعائه متبعًا هدي الرسول صلى الله عليه وسلم فيه فهو على خير عظيم.

فقد أخرج الترمذي عن عبادة بن رضي الله عنه  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا أتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم»، فقال رجل من القوم: إذا نكثر قال: «الله أكثر».

5- ومما ينبغي أن يستغل الحاج وقته، فيه قراءة كتاب الله فمن المعلوم أن كل حرف منه حسنة والحسنة بعشر أمثالها قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف»، فتصور أخي الحاج كم تحصل من الحسنات الكثيرة أثناء قراءتك جزاءًا في اليوم أو أكثر وبخاصة وأن في زمان فاضل ومكان فاضل.

6- ومما يقضي فيه الحاج وقته قراءة الكتب النافعة المفيدة التي تنفعه في دينه ودنياه وآخرته وبخاصة ما يعرف فيه الحاج مناسك حجه.

وخلاصة الأمر أن يستغل الحاج وقته بكل ما يستطيع من الطاعات فرضها ونفلها فالوقت قصير وثمين والعاقل من استغل الزمان والمكان الفاضلين.

وليحذر الحاج كل الحذر أن يهدر وقته ويفنى زمانه بما يضره ويبعد عن الله من القيل والقال والغيبة والنميمة والكلام الفاحش والسب والإيذاء والتعدي على الآخرين فإن هذا حصاد للأعمال الصالحة وإهدار للحسنات ومنقص للأجر ومذهب له.