بحث عن بحث

 

مفهوم الأخلاق (1-3 )

 

ثانياً: مفهوم الأخلاق.

1-الخلق في اللغة:

   أصلها خلق, قال ابن فارس " خلق: الخاء واللام والقاف أصلان أحدهما: تقدير الشيء, والآخر: ملاسة الشيء.

- فأما الأول: فقولهم خلقت الأديم للسقاء, إذا قدرته.

وقال زهير: (1).

ولأنت تفرى ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لايفرى(2).

ومن ذلك الخُلُق, وهي السجية, لأن صاحبها قد قُدّر عليه, وفلان خليق بكذا, وأخْلِق به, أي ما أخْلَقه, أي هو ممن يُقدر فيه ذلك.

والخَلاق: النصيب, لأنه قد قُدر لكل أحد نصيبه.

ومن الباب: رجل مُخْتَلَق: تام الخلق, والخَلْق: خلق الكذب, وهو اختلاقه واختراعه وتقديره في النفس, قال الله تعالى: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً } (3).

- وأما الأصل الثاني: فصخرة خَلْقاء, أي ملساء, ويقال: اخلولق السحاب: استوى, ومن هذا الباب: أخْلَق الشيء وخَلِق: إذا بلي, ومن ذلك أنه إذا أخلق أملاسّ وذهب زئيره(4)

   وقال ابن منظور(5): " قال أبو بكر الأنباري (6): الخلق في كلام العرب على وجهين: أحدهما الانشاء على مثال أبدعه, والآخر التقدير, وقال في قول الله تعالى: { فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } (7), معناه: أحسن المقدرين وقوله تعالى: {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ} (8), خلقه: تقديره ولم ير أنه يحدث معدوماً(9).

   والخُلُق: الدين والطبع والسجية(10), ويطلق على صفات النفس الباطنة, قال ابن منظور: "وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة, وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها, بمنزلة الخَلْق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها(11).

   وقال الراغب: "الخَلْق والخُلُق في الأصل واحد, كالشَرْب والشُرْب ولكن خص الخَلْق بالهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر, وخص الخُلُق بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة(12).

 

2- الخلق في الفلسفة:

يبرز في الدراسات الفلسفية اتجاهان رئيسان في محاولة الكشف عن مفهوم الأخلاق:

الأول: وتمثله النظرية الفلسفية التقليدية للأخلاق, وهي تنظر إلى علم الأخلاق باعتباره علماً معيارياً, أي يدرس ما ينبغي أن يكون عليه السلوك الإنساني, فيضع بذلك قوانين الأفعال الإنسانية ومثلها والمبادئ العليا لها.

وهذا الاتجاه هو المعتمد بين جمهرة الأخلاقيين في فهم هذا العلم وتحديد منهجه.

الثاني: وتمثله النظرية الوضعية التي تبناها بعض علماء الاجتماع حيث أصبحت الأخلاق عندهم هي مجرد "القواعد السلوكية التي تسلم بها جماعة من الناس في حقبة من حقب التاريخ(13).

   وقد كان للفلاسفة في الإسلام إسهام في تعريف الخلق من حيث ارتباطه بالنفس وعلاقته بالسلوك.

   فعرّفه مسكويه (14), بأنه: "حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا رويّة", قال: "وهذه الحال منها ما يكون طبيعياً من أصل المزاج, ومنها ما يكون مستفاداً بالعادة والتدريب(15)

وعرفه الغزالي (16)فقال: "الخلق عبارة عن هيئة في النفس راسخة, عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية, فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلاً وشرعاً سميت تلك الهيئة خلقاً حسناً, وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقاً سيئاً(17)

  


(1)هو زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رباح المزني من مضر حكيم الشعراء في الجاهلية, مات قبل البعثة.

     ابن حجر – الإصابة (3 /279), ذكره في ترجمة ابنه كعب رضي الله عنه, الزركلي, الأعلام (3 /52).

(2) المعنى: أنك إذا قدّرت أمرأ قطعته وأمضيته, وغيرك يقدّر مالا يقطعه لأنه ليس بماضي العزم, وأنت مضاء على ماعزمت عليه, انظر: ابن منظور, لسان العرب (10/879).

(3) سورة: العنكبوت (17).

(4) ابن فارس – معجم مقاييس اللغة (2 /113- 114).

(5) محمد بن مكرم بن علي, ابن منظور الأنصاري الأفريقي الإمام اللغوي الحجة ولد سنة 630 وتوفي سنة 711هـ.

ابن حجر – الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (4/262), مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بالهند ط1 سنة 1350هـ, الأعلام (7/108).

(6) أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري الإمام اللغوي, المقرئ النحوي, مات ببغداد سنة 328هـ, سير أعلام النبلاء 15/274, البداية والنهاية (11/196).

(7) سورة :المؤمنون (14). 

(8) سورة: آل عمران(49).

(9) ابن منظور, لسان العرب ج10 ص 85.

(10) ابن منظور, المرجع السابق (10/89), الفيروز آبادي, القاموس المحيط (3 /229).

(11) ابن منظور, المرجع السابق (10/86).

(12) الراغب الأصفهاني – المفردات في غريب القرآن ص 158.

(13) د. مصطفى حلمي, الأخلاق بين الفلاسفة وحكماء الإسلام ص 10,

     د. توفيق الطويل, أسس الفلسفة ص 372.

(14) أحمد بن محمد بن يعقوب اشتغل بالفلسفة والمنطق أصله من الري توفي سنة 421هـ.

    الأعلام ج1 ص211.

(15) مسكويه, تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق ص 41, المطبعة المصرية ومكتبتها ط 1.

 

(16) محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي يلقب بحجة الإسلام فيلسوف متصوف ولد وتوفي في خراسان (450-505هـ).

جمال الدين الأسنوي – طبقات الشافعية (2 /242), مطبعة الإرشاد بغداد سنة 1391هـ., شذرات الذهب ج 4 ص10.

(17) الغزالي إحياء علوم الدين (3 /53), دار المعرفة, بيروت 1402هـ.