بحث عن بحث

 

 

 مصادر قيم الإسلام الخلقية - المصادر الأصلية-(3-9).

 

2- الضمير في الاصطلاح:

اختلف الباحثون في الفلسفة والأخلاق في تحديد المقصود بهذا المصطلح, وأظهر ما قيل فيه:

"إنه القوة التي تعتبر المرجع في بيان الخير والشر والحسن من القبيح, تأمر بالأول وتثيب بالارتياح والطمأنينة, وتنتهي عن الثاني وتعاقب عليه بالتأنيب والندم" (1).

وهذه القوة من قوى النفس رأى بعض الباحثين في الأخلاق أنها فطرية, وذهب آخرون إلى أنها مكتسبة من البيئة بمعناها الواسع العام, وذهب غير هؤلاء وأولئك إلى أنها فطرية في جرثومتها, وللبيئة والتربية دخل في نموها وكمالها(2).

وعامة ما ذكر من تعاريف للضمير لا تخرج عن هذا التعريف المتقدم, إلا أن من مال منهم إلى أن الضمير قوة فطرية نص على ذلك في التعريف, ومن ذهب إلى أنها مكتسبة أو فطرية في أصلها ومتأثرة بالبيئة, أطلق ولم يحدد مصدر هذه القوة (3).

والأقرب أن الضمير فطري في أصله ومكتسب في نموه وطبيعته، فهو فطري من حيث هو استعداد لإدراك الخير والعمل بمقتضاه, وإدراك الشر والانتهاء عنه, كما قال تعالى: {وَنَفْس وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورهَا وَتَقْوَاهَا}, قال مجاهد: عرفها الطاعة والمعصية, وقال غيره: عرفها طريق الخير وطريق الشر (4), ففيها استعداد للتقوى كما أن فيها استعداد للفجور

ومن الأدلة على وجود المعرفة الفطرية بالحسن والقبيح اتفاق عامة الناس على تباعد أقطارهم وتباين أزمانهم واختلاف ثقافاتهم على تعظيم جملة من القيم الخلقية واستحسنها, وقد ذكر شيخ الإسلام (5)أن حسن الصدق والعدل وقبح الظلم والكذب قضايا اتفقت الأمم عليها(6)وقال: " لولم يكن لهذه القضايا مبدأ في قوى الإنسان لم تشتهر في جميع الأمم, فإن المشهور في جميع الأمم لا بد أن يكون له موجب في الفطرة المشتركة بين جميع الأمم(7).

أما كون الضمير مكتسب في نموه وطبيعته, فالأن حياة الضمير وترتب آثاره الحسنة الآمرة بالخير والداعية إلى الفضيلة مفتقر إلى العلم التام بالفضيلة والإحاطة الكاملة بتفاصيلها, وهذا متوقف على العلم بالشريعة(8), وعلى الإيمان الدافع إلى التزامها, قال تعالى: { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} (9), فعلق الفلاح وهو كمال الاستقامة في الظاهر والباطن والمتضمن صلاح القلب وسلامة الضمير بالتزكية وهي العمل بطاعة الله عز وجل بامتثال أمره واجتناب نهيه.

قال ابن القيم: "إن الله هيأ الإنسان لقبول الكمال بما أعطاه من الأهلية والاستعداد التي جعلها فيه كامنة كالنار في الزناد, فألهمه ومكنه وعرفه وأرشده, وأرسل إليه رسله وأنزل إليه كتبه لاستخراج تلك القوة التي أهله بها لكماله إلى الفعل" (10).

فعلى هذا فإن كمال الضمير وتمام قيامه بوظائفه متوقف على أمور خارجة عنه.

وإذا تقرر هذا فيمكن أن يقال في تعريف الضمير:

إنه استعداد فطري لإدراك الحق وقبوله, وقوة نفسية مفتقرة إلى الرعاية والتزكية بلزوم التقوى, حتى تدفع إلى الخير والفضيلة وتطمئن إليها, وتلوم على مخالفتها أو التقصير فيها.


(1) محمد يوسف موسى – فلسفة الأخلاق في الإسلام وصلتها بالفلسفة الإغريقية ص 138, مؤسسة الخانجي – القاهرة, ط3 سنة 1963م.

(2) محمد يوسف موسى – المرجع السابق ص 138.

(3) انظر: جميل صليبا – المعجم الفلسفي ج1, ص763, عمر الشيباني – مقدمة في الفلسفة الإسلامية ص189 وما بعدها, دار العربية للكتاب – ليبيا – تونس ط2’ علي معبد فرغلي – محاضرات في ألأخلاق الإسلامية والإنسانية ص 13, مكتبة الكليات الأزهرية 1396هـ.

(4) القرطبي – الجامع لأحكام القرآن ج20, ص 75.

(5) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام النميري الحراني الدمشقي الحنبلي, العالم المجتهد الداعية المجاهد المصلح أوذي في الله ومات في السجن في دمشق سنة 728هـ, وكان مولده ينة 661هـ.

البداية والنهاية 14/135, ابن حجر – الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 1/144, مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بالهند ط1, سنة 1350هـ.

شذرات الذهب 6/80.

(6) انظر: ابن تيمية – الرد على المنطقيين, ص422 – 423, إدارة ترجمان السنة – باكستان ط2, سنة 1396هـ.

(7) ابن تيمية – المرجع السابق ص 430.

(8) يأتي إنشاء الله زيادة تقرير لهذا عند الحديث عن الحلال والحرام من ضوابط القيم الخلقية.

(9)سورة الشمس: (7-10).

(10) ابن القيم- مدارج السالكين ج2 ص 381.