بحث عن بحث

 

مصادر قيم الإسلام الخلقية - المصادر الأصلية-(4-9).

 

الفطرة والضمير وقيم الإسلام الخلقية:

   إن من نعم الله تعالى على خلقه وإحسانه إليهم, أن فطرهم على محبة الأخلاق الكريمة والسجايا النبيلة.

  وقد أخبر عليه الصلاة والسلام عن جملة من القيم الخلقية وأنها مركوزة في الفطر, أما في عامة الناس أو في بعضهم, فمن ذلك:

- قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال, ثم علموا من القرآن, ثم علموا من السنة ) (1).

- وقال عليه الصلاة والسلام: (الناس معادن كمعادن الفضة والذهب خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) (2).

   فالخيرية بما تشمله من قيام ببعض الفضائل الخلقية أصلها موجود في جملة من الناس قبل نزول الشريعة, وإنما زادها الفقه في دين الله قوة ومتانة ووجهها الوجهة الصحيحة ليكون هدفها وغايتها رضاء الله تعالى ورجاء ثوابه, مع موافقة شرعه فيها.

- وكما قال عليه الصلاة والسلام لأشج عبد القيس: (إن فيك لخلقين يحبهما الله) قال: قلت وماهما يا رسول الله، قال: (الحلم والحياء - وفي لفظ والأناة –) قلت: قديماً كان أو حديثاً, قال: (قديماً) قلت: الحمد لله الذي جبلني على خلقين أحبهما الله (3).

   وبالجملة فأمر الشريعة في هذا المقام كما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) (4).

   قال ابن القيم:" سمى الله سبحانه ما كمل به موجبات الفطرة ذكراً وجعل رسوله مذكراً, فقال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ) (5), وقال: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ) (6) وهذا كثير في القرآن يخبر أن كتابه ورسوله مذكر لهم بما هو مركوز في فطرهم من معرفته ومحبته وتعظيمه وإجلاله والخضوع له والإخلاص له, والإقرار بشرعه وإيثاره على غيره, فهي تعرف ذلك وتشعر به مجملاً ومفصلاً بعض التفصيل, فجاءت الرسل تذكرها بذلك وتنبهها عليه وتفصله لها وتبينه, وتعرفها الأسباب المعارضة لموجب الفطرة المانعة من اقتفائها أثرها, وهكذا شأن الشرائع التي جاءت بها الرسل, فإنها أمر بمعروف, ونهي عن منكر وإباحة طيب وتحريم خبيث, وأمر بعدل, ونهي عن ظلم, وهذا كله مركوز في فطرهم, وكمال تفصيله وتبيينه موقوف على الرسل"(7).

  ولكن الفطرة والضمير لا يصلحان مصدراً من مصادر القيم الخلقية في الإسلام.

   لأن الفطرة وإن كانت مائلة إلى الحق وإلى الخير ومحبة له ومريدة له إلا أنها " لا تكفي في استقامة الإنسان على جادة الحق لما يعتريها من ركام العادات والأعراف والتقاليد.. فتعطلها أو تفسدها أو تطمسها أو تدخل في حكمها الخطأ والشطط"(8).

  وقد نبه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ما يعتري الفطرة من تغير وتبدل تحت تأثير البيئة المحيطة بها حيث قال:( فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) (9), وقد قال الله تعالى: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (10), وقال تعالى: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) (11).

   وكذا الضمير لا يصلح مصدراً للقيم الخلقية لأنه بحاجة إلى المعيار الذي يميز به بين الفضيلة والرذيلة بتفاصيلها حتى يدفع إلى الأولى وينهى عن الأخرى فهو أما أن يرجع إلى الفطرة يستمد منها الميزان للحكم على الأقوال والأفعال وقد سبق ذكر ما يعتريها من فساد وتغير, وأما أن يرجع إلى الأعراف والعادات وهي أكثر تبدلاً وفساداً في غالب أحوالها, ولذا فهو مفتقر إلى الشرع الذي يحدد له معالم الفضيلة والرذيلة ويبين للناس الطريق ويحدد لهم السبيل الذي يجب عليهم سلوكه.

   وأيضاً فإن حياة الفطرة ويقظة الضمير ليست بدرجة واحدة عند الجميع بل تتفاوت تبعاً لما تلقاه من رعاية وعناية في تكميلها أو غفلة وإعراض عن ذلك, مما يورث اختلافاً في تقويم الأعمال والأخلاق والسلوك, فتختل موازين القيم وتفقد معياريتها الذي به قوامها, حتى يبلغ غايته عند انطماس الفطرة وموت الضمير فيصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً.

   وأخيراً فإن الإسلام لم يكتف بالفطرة وهدايتها والضمير وتأنيبه, بل شرعت الشرائع وحدت الحدود في شتى جوانب الحياة بما في ذلك القيم الخلقية.

ولذا فغاية الأمر في الفطرة أن تكون معيناً على سلوك الطريق القويم ودافعاً للالتزام.


(1) أخرجه البخاري ومسلم, ابن حجر – فتح الباري (11/333), النووي – شرح صحيح مسلم (1/351).

(2) أخرجه البخاري ومسلم, ابن حجر – فتح الباري (6/525), النووي – شرح صحيح مسلم (5/386).

(3) أخرجه البخاري في الأدب المفرد, ص86, دار الكتب العلمية ببيروت, قال الحافظ: ترديده السؤال وتقريره عليه يشعر بأن في الخلق ما هو جبلي وما هو مكتسب, انظر الفتح (10/ 459).

(4) أخرجه أحمد والحاكم والبخاري في الأدب المفرد, وقد سبق تخريجه.

(5) سورة ق الآية: (37).

(6) سورة الغاشية الآية: (21).

(7) ابن القيم – شفاء العليل ص 301 – 302.

(8) مناع القطان – الحاجة إلى الرسل ص 196 مختصراً.

(9) متفق عليه, وتقدم تخريجه.

(10) سورة الأنعام (116).

(11) سورة يوسف (103).