بحث عن بحث

 

 

 مصادر قيم الإسلام الخلقية - المصادر الأصلية-(7-9).

 

القرآن وقيم الإسلام الخلقية:

   تنوعت أساليب القرآن في معالجة القيم الخلقية, بين ندب وإلزام من جهة, واطناب وإيجاز من جهة أخرى, كل ذلك في قمة البيان وغاية الإعجاز.

   ويمكن أن نتبين بإيجاز أبرز الملاحظ على أسلوب القرآن الكريم في تناوله للقيم الخلقية من خلال الأمور الآتية:

- ربطها بالعقيدة: إن قيم الإسلام الخلقية وثيقة الصلة بالعقيدة, بل إنه بالإيمان بالله واليوم الآخر قام سوقها وآتت أكلها, ذلك أن الإيمان يدفع الإنسان من داخله إلى القيام بالحقوق وأداء الواجبات, ولو خفي عن الأعين أو بعد عن سلطة القانون.

   لذا جاء التأكيد على هذه الصلة في القرآن الكريم كثيراً, قال الله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ *الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (1), فقد ندب الله تعالى إلى فعل الخيرات من الإنفاق في الشدة والرخاء, والمنشط والمكره وكتم الغيظ, والعفو عمن أساء (2), ووعد على ذلك بجنة عرضها السماوات والأرض, ففيها جزاء إحسانهم وثواب مسارعتهم إلى ذلك, وقال تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} (3), ففي الآية أمر بأداء الأمانات، والحكم بين الناس بالعدل وقد ختمها بالتنبيه على اطلاعه تعالى على خلقه فهو السميع لأقوالهم البصير بأعمالهم وفي هذا ترغيب للطائعين لأمره, فأعمالهم ليست خافية عليه وسيثيبهم عليها, وفي المقابل ترهيب للعاصين وأنه سيجازيهم بما يستحقون.

   ومن مظاهر العناية بهذه الصلة أيضاً ما يلحظ غالباً من التقديم قبل الأمر بقيمة خلقية أو الدعوة إلى فضيلة من تذكير بعقد الإيمان الموجب للطاعة والالتزام: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (4), {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (6), {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (6).

- الاهتمام بأصول الأخلاق, ببيانها، والإلزام بها، والتحذير من مخالفتها، والوعد الحسن لمن قام بها, والوعيد الشديد لمن رغب عنها, قال الله تعالى: { إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } (7), وقال تعالى: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ‏}(8), وقال تعالى: { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون } (9),

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيرَاً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وإِن تَلْوُو أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} (10).

   كذلك فإن في بعض الآيات اشارة لثمرات القيم الخلقية القريبة وما تحققه من سعادة للنفس وراحة للقلب, مما يدفع إلى القيام بها, كما في قوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}(11), وفي قوله: {وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}(12).

- الانطلاق من الفرد:

   إن القرآن يبدأ بتربية الفرد لأنه لبنة المجتمع, ويقيم تربيته على تحرير وجدانه وتحمله التبعة.

   يحرر القرآن وجدان المسلم بعقيدة التوحيد الذي تخلّصه من سلطان الخرافة والوهم, وتفك أسره من عبودية الأهواء والشهوات, حتى يكون عبداً خالصاً لله.

كما يربيه على الشعور بالتبعة الفردية, وينوط بها كل تكليف من تكاليف الدين وكل فضيلة من فضائل الأخلاق(13).

{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}(14),{كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ}(15).


(1) سورة آل عمران الآيتين 133-134.

(2) انظر: ابن كثير, تفسير القرآن العظيم ج1 ص 404.

(3) سورة آل عمران (58).

(4) سورة التوبة (119).

(5) سورة المائدة (1).

(6) سورة آل عمران (200)

(7) سورة النحل (90).

(8) سورة الأعراف (199).

(9) سورة البقرة (274).

(10) سورة النساء (135).

(11) سورة فصلت (34).

(12) سورة سبأ (39).

(13)  مناع القطان – مباحث في علوم القرآن ص 276-278 مختصراً.

(14) سورة المدثر (38).

(15) سورة الطور (21).