بحث عن بحث

 

مصادر قيم الإسلام الخلقية (المصادر غير الأصلية) (1- 5).

 

أولا: العرف.

العرف في اللغة:

   العرف والمعروف واحد: ضد النكر وهو كل ماتعرفه النفس من الخير, وتطمئن إليه(1).

العرف في الاصطلاح:

   هو ماستقر في النفوس من جهة العقول, وتلقته الطباع السليمة بالقبول(2).

   فهو شامل لما اطمأنت إليه النفوس من الأمور المتكررة من الأقوال والأفعال, وكان منشأ قبوله استحسان العقل وسلامة الطبع, وليس الانقياد للهوى والشهوة.

   وعرف أيضاً بأنه:

   عادة جمهور قوم في قول أو فعل(3)..

   وهو بهذا أعم من الأول, فيدخل فيه ما استحسنته العقول وما قادت إليه الأهواء .

 

العرف والعادة:

- ذهب بعض العلماء إلى أن العرف والعادة بمعنى واحد لأن مؤداهما واحد.

- وهناك من خص العرف بما تعرفه جميع الناس أو أهل بلد معين والعادة هي ما ألفه الإنسان أو اعتاده, سواء كان ذلك عادة مختصة به وحده, أو عادة شائعة بين جميع أهل بلده أو الناس.

   فالعرف على هذا لا يكون إلا من الجماعة, والعادة قد تكون من الفرد وقد تكون من الجماعة(4).

   والغالب على العلماء استعمالهما في معنى واحد, والتعبير بأحدهما عن الآخر.

أدلة ثبوت العرف وحجيته:

   الكتاب والسنة دالان على ثبوت العرف واعتبار الشارع له.

فمن ذلك:

1- قول الله تعالى في كفارة اليمين: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ)(5)).

   قال شيخ الإسلام: أمر الله تعالى بإطعام المساكين من أوسط ما يطعم الناس أهليهم, وقد تنازع العلماء في ذلك هل ذلك مقدر بالشرع, أو يرجع فيه إلى العرف.. والراجح أن يرجع فيه إلى العرف(6).

2- قول الله تعالى في حقوق الأزواج بعضهم على بعض (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (7), وقوله: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (8). فأرجع سبحانه التحديد في النفقة والعشرة إلى ما يتعارفه الناس.

3- قوله تعالى فيما يجوز من مال اليتيم للوصي: (وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ)(9). فأباح للوصي إذا كان فقيراً أن يأكل من مال اليتيم, وأرجعه في حدود هذا الأكل إلى ما هو متعارف بين الناس.

والآيات في هذا المعنى كثيرة.

4- ومن السنة قول الرسول صلى الله عليه وسلم لهند بن عتبة(10)) وقد شكت إليه عدم حصولها على كفايتها من زوجها أبي سفيان(11) (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)(12).

والمراد بالمعروف القدر الذي عرف بالعادة أنه الكفاية (13)*

   فالعرف هو المحدد لمقدار الواجب في نفقة الزوج على زوجته, عند جمهور العلماء, وهذا مختلف باختلاف أحوال البلاد والأزمنة وحال الزوجين وعادتهما(14).

   من هذه الأدلة ونحوها, يتبين أن الشارع قد اعتبر العرف مرجعاً في تطبيق الأحكام المطلقة.

   وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: الأسماء التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله معلقًا بها أحكام شرعية، منها ما يعلم حده باللغة؛ كالشمس، والقمر، ومنها ما يعلم بالشرع؛ كالمؤمن والكافر والمنافق، وما لم يكن له حد في اللغة ولا في الشرع، فالمرجع فيه إلى عرف الناس(15).

   وما قرره شيخ الإسلام هو مذهب جماهير العلماء, بل قد نعى طائفة منهم كالقرافي(16)), وابن القيم على من أعرض عن النظر في الأعراف.

   يقول ابن القيم: من أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل (17).

   ومن مظاهر اهتمام العلماء بالعرف استناداً إلى نصوص الشريعة أن وضعوا قاعدة في ذلك, يفزع إليها القضاة وأهل الفتوى ونحوهم, وصاغوها بقولهم: العادة محكمة وساقوا لها الأدلة والشواهد, وذكروا جملة من أبواب الفقه ومسائله مما تعمل فيه هذه القاعدة(18).

   وبهذا يتبين مراعاة الشريعة للعرف وعوائد الناس فيما يتعلق بتطبيق ما جاء فيها من قواعد كلية يشق وضع حد واحد لها, ويمكن تطبيقها حسب ظروف الناس وأحوالهم, بما يرفع الحرج عنهم ويقيم مصالحهم.


(1) ابن منظور – لسان العرب (9 /239).

(2) أحمد أبو سنه – العرف والعادة في رأي الفقهاء ص 8, مطبعة الأزهر, 1947م, والتعريف من المستصفى للغزالي.

(3) مصطفى الزرقاء – المدخل الفقهي العام (1 / 131) دار الفكر ط10 سنة 1387هـ.

(4) المرجع السابق.

(5)  سورة المائدة (89).

(6)  ابن تيمية – مجموع الفتاوى ( 26 / 114).

(7)  سورة البقرة الآية (228).

(8) سورة النساء الآية (19).

(9) سورة النساء الآية (6).

(10) هند بنت عتبة بن ربيعة القرشية والدة معاوية بن أبي سفيان أسلمت يوم الفتح وماتت في خلافة عثمان,  الإصابة( 4/409).

(11) هو صخر بن رحب من أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي أسلم عام الفتح ومات سنة اثنتين وثلاثين وقيل بعدها, الإصابة (2/172)

(12) متفق عليه, ابن حجر – فتح الباري (9 / 507,) النووي – شرح صحيح مسلم ( 4 / 340).

(13) ابن حجر – فتح الباري – (9 / 509.)

(14) ابن تيمية – مجموع الفتاوى ( 34 / 83).

(15) ابن تيمية – مجموع الفتاوى ( 29 / 15 -16) مختصراً.

(16) أحمد بن ادريس بن عبد الرحمن الصنهاجي المصري المالكي توفي سنة 684هـ, الأعلام (1/94,) وانظر كتابه الفروق (1 / 176 – 177) دار المعرفة – بيروت.

(17) أعلام الموقعين (3 / 89 )دار الفكر, بيروت, ط1 سنة 1374هـ.

(18) السيوطي – الأشباه والنظائر ص 89 دار الكتب العلمية بيروت ط1 سنة 1399هـ, ابن نجيم – الأشباه والنظائر ص 93 دار الكتب العلمية – بيروت سنة 1400.