بحث عن بحث

 

 مصادر قيم الإسلام الخلقية (المصادر غير الأصلية) (4- 5).

 

شروط العمل بالمصلحة المرسلة:

 

   إن الأخذ بالمصالح المرسلة والاسترسال في ذلك يؤدي إلى أن يشرع في الدين ما ليس منه, ما لم يكن الأخذ بها بعد التثبت من ملاءمتها لتصرفات الشرع ومقاصده وبعدها عن معارضة شيء من نصوصه.

   فلابد للعمل بالمصالح المرسلة من وجود مصلحة راجحة وحقيقية يرجع في تقديرها إلى ميزان الشرع لا إلى الهوى والتشهي, ودقة الأمر وقلة من يحسنه جعل بعض العلماء يتردد بالقول بالمصالح المرسلة وبعضهم ينفيها, وفي هذا يقول شيخ الإسلام:" وهذا فصل عظيم ينبغي الاهتمام به فإن من جهته حصل في الدين اضطراب عظيم وكثير من الأمراء والعلماء والعباد رأوا مصالح فاستعملوها بناء على هذا الأصل وقد يكون منها ما هو محظور في الشرع ولم يعلموه، وربما قدم على المصالح المرسلة كلاما بخلاف النصوص، وكثير منهم من أهمل مصالح يجب اعتبارها شرعا بناء على أن الشرع لم يرد بها ففوت واجبات ومستحبات، أو وقع في محظورات ومكروهات وقد يكون الشرع ورد بذلك ولم يعلمه"(1).

  ولضبط الأمر وسد الباب أمام أهل الأهواء وضع العلماء ضوابط وقيوداً لا بد من اعتبارها للعمل بالمصالح المرسلة:

1- الملائمة لمقاصد الشرع, بحيث لا تنافي أصلاً من أصوله ولا دليلاً من أدلته.

2- أن تكون فيما هو معقول المعنى, فلا مدخل لها في التعبدات وما جرى مجراها من الأمور الشرعية(2).

المصلحة المرسلة وقيم الإسلام الخلقية:

   إذا كانت القيم الخلقية في الإسلام ذات شقين: نظري وعملي, فإن الشق الأول وهو الجانب النظري قد جاءت الشريعة بتقريره وتفصيله بما لا مزيد عليه, فما من خير إلا وقد دل الرسول صلى الله عليه وسلم الأمة عليه, وما من شر إلا حذرها منه.

أما ما يتعلق بالشق الآخر وهو الجانب العملي, فقد جاءت الشريعة بشيء من تفاصيله في بعض المقامات, وأجملت الحديث عنه في مقامات أخرى, فما فصّل يجب العمل بمقتضى التفصيل, وما أجمل فهم محل البحث وفيه النظر, فقد يكون المرجع في تحديده العرف, وقد يكون المرجع في ذلك بالنظر فيما يترتب على الفعل من مصالح ومفاسد.

مثال ذلك:

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من قيم الإسلام الخلقية, وهو ثابت ومتعين بنص الكتاب والسنة والإجماع.

   أما الكتاب فقول الله تعالى:{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} (3), وقوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} (4), وقوله: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}(5), إلى غير ذلك من الآيات.

   وأما السنة فمن ذلك حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) (6).

وعن حذيفة  (7) رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر, أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم) (8).

   وأما الإجماع: فقد قال النووي رحمه الله: (قد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة) (9).

   وفيما يتعلق بتطبيق هذه القيمة نجد شيئاً من التفصيل فيما يتعلق بالانكار على ولاة الأمور, لأنه مقام خطير فاحتاج إلى زيادة بيان.

   فعن أم سلمة (10) رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع, قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: لا ماصلوا) (11) , وفي حديث آخر: (لا ما أقاموا فيكم الصلاة) (12).

   وعن عبادة بن الصامت (13) رضي الله عنه قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله تعالى فيه برهان) (14).

 أما فيما يتعلق بالإنكار على عامة الناس فنجد الإطلاق في مثل حديث أبي سعيد المتقدم, لذا نجد من العلماء من يشير إلى وجوب مراعاة المصالح والمفاسد عند ارادة القيام بهذا الأمر.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الأمر والنهى وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحةٍ ودفع مفسدةٍ فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت مِن المصالح أو يحصل مِن المفاسد أكثر لم يكن مأموراً به، بل يكون محرَّما إذا كانت مفسدته أكثر مِن مصلحته، لكن اعتبار مقادير والمصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة" (15).

ويقول في موضع آخر: "بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات أكثر منه أو حصول منكر فوقه ولا يتضمن النهى عن المنكر حصول أنكر منه أو فوات معروف أرجح منه"(16).

وقال ابن القيم رحمه الله: " إن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل ـ بإنكاره ـ من المعروف ما يحبه الله ورسوله فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه، ويمقت أهله" (17).

وهكذا يظهر وجوب مراعاة المصالح والمفاسد عند إرادة القيام بهذه القيمة, وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


(1) ابن تيمية – مجموع الفتاوى (11 / 343 -344.)

(2)  الشاطبي – الاعتصام (2 / 129 )– الموافقات( 1 / 39), الشوكاني – ارشاد الفحول ص 242.

(3)  سورة آل عمران الآية 104.

(4) سورة آل عمران الآية 110.

(5) سورة التوبة الآية 71.

(6)  أخرجه مسلم, صحيح مسلم بشرح النووي (1 / 224-227).

(7) حذيفة بن اليمان واسمه حُسلْ ويقال حِسْل العبسي من كبار الصحابة، صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم مات سنة 36هـ في أول خلافة علي, أسد الغابة( 1/468), الإصابة( 1/31.)

(8)  أخرجه الترمذي وحسّنه, المباركفوري – تحفة الأحوذي (6 /390-391,) الألباني – صحيح الجامع الصغير وزيادته (6 / 97-98)

(9) صحيح مسلم بشرح النووي (1 / 225.)

(10) هند بنت أبي أميّة بن المغيرة المخزومية أم المؤمنين زوجة النبي صلى الله عليه وسلم, ماتت سنة 62 على الأصح, سير أعلام النبلاء( 2/201) تقريب التهذيبص 754.

(11)  أخرجه مسلم, صحيح مسلم بشرح النووي (4 / 520).

(12) أخرجه مسلم, المرجع السابق ص 521 من حديث عوف بن مالك.

(13)  عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي أبو الوليد المدني أحد النقباء بدري مشهور مات بالرملة سنة 34هـ ول اثنتان وسبعون سنة, سير أعلام النبلاء (2/5), الإصابة( 2/260).

(14)  متفق عليه, ابن حجر – فتح الباري ( 13 / 191) النووي شرح صحي مسلم (4 / 506)

(15)  الحسبة ( 64-65) دار الكاتب العربي.

(16)  المرجع السابق ص 66.

(17)  ابن القيم – إعلام الموقعين ( 3 / 15)