بحث عن بحث

 

مصادر قيم الإسلام الخلقية (المصادر غير الأصلية) (5- 5).

 

ثالثاً: الاستحسان

الاستحسان في اللغة:

   مشتق من الحسن, وهو ما حسن من كل شيء, وأستحسن الشيء: عده حسناً (1).

الاستحسان في الاصطلاح:

   اختلف العلماء في تعريف الاستحسان, وتحديد المراد منه, فمما قيل في معناه:

1- أنه ما يستحسنه المجتهد بعقله(2).

   والاستحسان بهذا المعنى مردود, لإجماع الأمة على أن العالم ليس له أن يحكم بهواه وشهوته من غير نظر في أدلة الشرع, ولا فرق في ذلك بين المجتهد وغيره(3).

2- أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد ويعسر عليه التعبير عنه(4).

   وهذا الذي انقدح في نفس المجتهد أما أن يكون متثبتاً منه مطمئناً إليه, وأما أن يكون شاكاً فيه غير متيقن منه, وهو مردود على كلا الاحتمالين, لأنه لا يمكن معرفة الدليل الذي استند إليه بعجزه عن التعبير عنه, واحتمال الخطأ في اجتهاد قائم, وغايته على الاحتمال الأول أن يكون حجة عليه في نفسه لا على غيره(5).

3- أنه العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص(6).

   ومن أمثلته: ما نص عليه فقهاء الحنفية من أن الواقف إذا وقف أرضاً زراعية يدخل حق المسيل وحق الشرب وحق المرور في الوقف تبعاً بدون ذكرها استحساناً, والقياس أنها لا تدخل إلا بالنص عليها كالبيع, ووجه الاستحسان: أن المقصود من الوقف انتفاع الموقوف عليهم, ولا يكون الانتفاع بالأرض الزراعية إلا بالشرب والمسيل والطريق فتدخل في الوقف بدون ذكرها لأن المقصود لا يتحقق إلا بها كالإجارة (7).

   والاستحسان بهذا المعنى مقبول عند جمهور الأصوليين, لذا تفننوا في التعبير عنه(8).

   فقال الماوردي: الاستحسان بالدليل معمول به, وإنما ننكر العمل بالاستحسان إذا لم يقترن به دليل(9).

   وقال القفال(10): إذا كان المراد بالاستحسان مادلت عليه الأصول بمعانيها فهو حسن, لقيام الحجة به, قال: فهذا لا ننكره ونقول به وإن كان ما يقع بالوهم من استقباح الشيء واستحسانه من غير حجة دلت عليه من أصل أو نظير, فهو محظور, والقول به غير سائغ(11).

   وإنما صح الاحتجاج به لأن حاصله أن المجتهد يترك العمل بالدليل لوجود دليل طارئ عليه أقوى منه, وليس ذلك مما ينازع فيه أحد, لأن العمل بالراجح مجمع عليه(12).

حجية الاستحسان:

   لا خلاف بين العلماء في جواز اطلاق لفظ الاستحسان, لوروده في الكتاب والسنة وعلى لسان السلف:

   أما الكتاب فقوله تعالى: { الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } (13). وقوله: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ }(14).

   أما السنة فقوله عليه الصلاة والسلام: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها ، وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء) (15).

   وعلى لسان السلف: كما صح عن ابن مسعود قوله: "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن" (16).

   وأُثر عن الأئمة اطلاق الاستحسان في مسائل كثيرة(17).

   أما الاستحسان بمعناه الاصطلاحي فاختلف العلماء في الاحتجاج به, ومنشأ الخلاف في حجية الاستحسان أمران:

الأول: الخلاف في تحديد المراد منه, فمن نفاه وأنكره إنما قصد به واحداً من المعاني التي عرّف بها الاستحسان (18), وكذا من أثبته إنما يتوجه اثباته إلى معنى من معاني الاستحسان أو بعضها لا جميعها, بدليل الاتفاق على رد الاستحسان بمعنى ما يستحسنه المجتهد بعقله دون النظر في الأدلة الشرعية.

وكذا قبول الجمهور للاستحسان بمعنى العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص.

الثاني: النزاع في تخصيص هذا النوع من الدليل – الاستحسان بمعناه المقبول – بتسميته استحساناً, لأنه على هذا المعنى راجع إلى العمل بالدليل من الأدلة المتفق عليها, أو المقبولة عند جمهور الأصوليين.

   والذي يظهر أن الاستحسان – كما ذهب إلى ذلك بعض المحققين – ليس له معنى يصلح أن يكون محلاً للنزاع(19).

لأن هذا الدليل الخاص الذي يعدل بموجبه بالمسألة عن الحكم في نظائرها, أما أن يكون نصاً أو إجماعا, أو اقتضاء المصلحة أو الضرورة ذلك العدول, أو يكون عرفاً صالحاً, وكل هذا أدلة قائمة بنفسها.

ثم انه ليس كل ما قيل بجوازه استحساناً متفقاً على أنه خلاف القياس, بل جملة منها إنما هي مقتضى القياس الصحيح(20).

الاستحسان وقيم الإسلام الخلقية:

   إذا تقرر أن الاستحسان ليس له معنى يصلح أن يكون محلا للخلاف, ودليلاً تستفاد منه الأحكام الشرعية, فلا أثر له فيما يتعلق بقيم الإسلام الخلقية.


 

(1) ابن منظور – لسان العرب ( 13 / 114), الفيروز آبادي- القاموس المحيط (4 / 213) المعجم الوسيط (1/ 174).

(2) الغزالي – المستصفى (1 / 174).

(3) الآمدي – الأحكام (4 / 157), الغزالي المستصفى (1 / 275- 276).

(4) الشوكاني – ارشاد الفحول ص 241.

(5) الشوكاني – ارشاد الفحول ( 241), الطيب الخضري السيد, الاجتهاد فيما لا نص فيه (2 / 15) البوطي: ضوابط المصلحة ص238, مؤسسة الرسالة بيروت ط4 سنة 1402هـ.    

(6) الغزالي, المستصفى (1 / 275), الآمدي, الأحكام (4 /157)

(7) عبد الوهاب خلاف, علم أصول الفقه ص80.

(8) الطيب الخضري السيد, الاجتهاد فيما لا نص فيه (2 /16 )

(9) المرجع السابق ص 25.

(10) محمد بن علي بن اسماعيل الشاشي القفال أبو بكر من أكابر علماء عصره ولد سنة 291 وتوفي سنة 365هـ, الأعلام (6/274).

(11) الشوكاني, ارشاد الفحول ص 241.

(12) المرجع السابق ص241, الآمدي الأحكام (4 /158 –159), محمد أبو النور زهير, أصول الفقه (4/ 405) مكتبة الفيصلية – مكة المكرمة, سنة 1405هـ.

(13) سورة الزمر الآية (18).

(14) سورة الزمر الآية (55).

(15) أخرجه مسلم, صحيح مسلم بشرح النووي ( 5 / 531)

(16) العجلوني – كشف الخفاء (2 / 245) تعليق أحمد القلاش, مؤسسة الرسالة بيروت ط4 سنة 1405هـ

(17) انظر: ابن القيم – بدائع الفوائد (4 / 124) لم يكتب عليه مكان الطبع ولا سنته, الشاطبي – الموافقات (4/209) الآمدي- الأحكام (4 / 157).

(18) محمد أبو النور زهير – أصول الفقه (4 /406).

(19) الصنعاني – اجابة السائل شرح بقية الآمل ص 220تحقيق حسين السباعي – حسن الأهدل, مؤسسة الرسالة, بيروت ط1 سنة 1406هـ, الشوكاني – ارشاد الفحول ص 241 محمد أبو النور زهير – أصول الفقه (4 /407).

(20) انظر: ابن تيمية – مجموع الفتاوى (20 / 505) ابن القيم – إعلام الموقعين (1 / 383 )وما بعدها.