بحث عن بحث

                                  خصائص قيم الإسلام الخلقية ( 3- 10).

آثار الربانية:

   إن لهذه الخصيصة آثار في قيم الإسلام الخلقية, فمن ذلك: السلامة من التناقض والاختلاف, فهي تسير الإنسان على هدى وبصيرة في سبيل قاصد ومنهج مستقيم عادل, مع مراعاة تامة لكافة الحقوق وسائر العلاقات مع الله تعالى ومع النفس ومع الخلق, ففي الحديث الصحيح أن سلمان(1), قال لأبي الدرداء (2) رضي الله عنهما: إن لربك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صدق سلمان"(3).  

- ومنها البراءة من الهوى والمحاباة والقصور والتطرف، لأنها من الله تعالى رب الناس جميعاً، والعالم بطاقاتهم وحاجاتهم, الخبير بما يصلحهم، الأمر الذي لا يمكن أن يتوافر في أي من صنع الإنسان ذي الشهوات والميول والضعف والهوى- فوق ما به من الجهل والقصور- سواء كان المشرع فرداً أو طبقة أو أمة أو جيلاً من أجيال البشر.

- ومن آثار  الربانية في قيم الإسلام الخلقية الانقياد التام والتسليم الكامل – عن قناعة ورغبة وإقبال- لما جاءت به من مبادئ وأحكام, لما تتمتع به من عظمة وسمو، وما يلمسه كل فرد فيها من آثار خيّرة وثمار حسنة, ولأنها من الله تعالى بجلاله وجماله وعظمته وكماله، فالخضوع له والانقياد لشرعه خلاص من العبودية لغيره ونجاة من الأسر لمن سواه من نزغات النفس وشهواتها وأهوائها، أو أهواء البشر وأفكارهم القاصرة وتجاربهم الشاقة المكلفة, وهي بهذا تورث الفرد الطمأنينة في قلبه والسكينة في نفسه لوحدة قصده ووضوح طريقه وسلامته.

- ومن آثار هذه الخصيصة أيضاً أن الأوامر والتوجيهات الخلقية فيها "ذات صبغة إنسانية عالمية, فهي رحمة للعالمين وهداية للناس كافة, فليست تشريعات لجنس خاص من البشر أو لإقليم معين من الأرض, بل هي للإنسان من حيث هو إنسان... فلا عنصرية في هذا التشريع ولا عصبية ولا طبقية, وإنما الناس فيه سواء.. لأن الشارع هو رب الناس– فهم جميعاً عباده, لا فضل لفرد منهم على فرد ولا لفئة على أخرى بحكم الخلق والنشأة.".

- ومن ثمار الربانية في قيم الإسلام الخلقية أن الآخذ بها يشعر أنه يتعامل مع ربه, ويلتمس في الآخذ بها رضاه رحمته, كما يخشى في حال التقصير من عقوبته, لذا فهو متمسك بالفضيلة وعامل بمقتضاها في سره وعلانيته، لعلمه بمراقبة الله تعالى له واطلاعه عليه وإحاطته به (وَلَقَدْ خَلَقْنَاالْإِنسَانَوَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِنَفْسُهُوَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِمِنْحَبْلِالْوَرِيد)[ق: 16],وقال تعالى: (يَعْلَم خَائِنَة الْأَعْيُن وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [غافر:19], وهذا يدفع المسلم إلى مراقبة الله تعالى والاستقامة على شرعه في غيبه وشهادته, ويمنحه ضميراً حياً يعظم أمر الله ويراعي حرماته.


(1)- هو أبو عبد الله سلمان الفارسي, ويقال له سلمان الخير, أصله من أصبهان وقيل من رامهرمز, أول مشاهده الخندق, مات سنة 34هـ, سير أعلام النبلاء (1/505), الإصابة (2/60), تقريب التهذيب ص246.

(2) - هو عويمر بن زيد بن قيس الأنصاري, مشهور بكنيته, صحابي جليل, أول مشاهده أحد, كان عابداً, مات في آخر خلافة عثمان, سير أعلام النبلاء (2/335), الإصابة (4/46) تقريب التهذيب ص 434.

(3) - رواه البخاري, انظر: ابن حجر – فتح الباري (10 /534).