بحث عن بحث

 خصائص قيم الإسلام الخلقية ( 7- 10).

 

رابعاً: الشمول.

يمكن أن نلمس شمول القيم الخلقية في الإسلام من خلال النظر إلى شمول التشريعات الإسلامية لجوانب الحياة المختلفة من جهة, وما في هذه التشريعات من صبغة خلقية من جهة أخرى.

أما شمول التشريعات الإسلامية فظاهر, حيث لم تدع مجالاً من مجالات النشاط البشري, ولا طورا من أطوار حياة الإنسان إلا جاءت فيه بأمر أو أدب أو توجيه, فأوضحت الطريق وأقامت الحجة, قال الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) [المائدة : 3].

أما عن الصبغة الخلقية في تشريعات الإسلام فإن القيم الخلقية هي الأساس في سائر العلاقات التي يمارس الفرد نشاطاته من خلالها, فالمحبة هي الركيزة في علاقة المسلم بربه, وعلاقته بإخوانه المؤمنين, قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة:54], فهذا في محبة الله تعالى, وفي محبة المؤمنين يقول عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)(1)

والعدل هو الواجب والمتعين في التعامل مع غير المسلمين مع مشروعية البر في بعض المواقف, قال تعالى: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [المائدة:42], وقال تعالى: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)[المائدة:8], وقال تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)[الممتحنة: 8].

وفيما يتعلق بغير العقلاء من الحيوان والطير شرع الإحسان, كما قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة, وليحدَّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته) (2), وقال عليه الصلاة والسلام: (في كل كبد رطبة أجر) (3).

ومن مظاهر الشمول في قيم الإسلام الخلقية, استيعابها لكافة القدرات الإنسانية, فلا يعجز إنسان مهما ضعفت قدراته وقلت إمكاناته من الإسهام في جانب من جوانبها أو جزء من أجزائها, وقد رسم الرسول صلى الله عليه وسلم صوراً من سعة هذه الجوانب فقال: (كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة) (4), وقال عليه الصلاة والسلام: (لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس) (5), وقال عليه الصلاة والسلام: (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) (6).

ومن ثمرات هذه السعة وهذا الشمول, شعور الفرد بالراحة والطمأنينة والرضا لإسهامه في الخير في أي جانب من هذه الجوانب مما يقدر عليه أو ينشط له.


(1) متفق عليه, ابن حجر الفتح (1 / 53), النووي شرح صحيح مسلم (1 / 220).

(2) رواه مسلم, النووي شرح صحيح مسلم (4 / 622).

(3) متفق عليه, ابن حجر, الفتح (5 / 40-41) النووي شرح صحيح مسلم (5 / 100-101).

(4) رواه مسلم, النووي شرح صحيح مسلم (2 / 372-373).

(5) رواه مسلم, المرجع السابق (5 / 477).

(6) رواه مسلم, المرجع السابق (5 / 483).