بحث عن بحث

 

الحلقة (30) خصائص قيم الإسلام الخلقية ( 9- 10).

 

 

اليسر والسهولة ورفع الحرج في قيم الإسلام الخلقية:

إن الأساس في اليسر والسهولة في قيم الإسلام الخلقية هو علم الله التام بخلقه وطاقاتهم وما يصلحهم ( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) [الملك: 14].

"فللناس في ظل المجتمع مناهج في سلوكهم, وسبل في حياتهم, تختلف هذه المناهج وتلك السبل باختلاف الأفراد, تبعاً لاستعدادهم النفسي والخلقي والثقافي" (1).

والمتأمل في طبائع الناس يجدهم في معاملتهم لغيرهم ثلاثة أصناف:

- صنف لا يفعل الخير, ويقترف الآثام, ولا يتنازل عن شيء من حقه, وإن لم يؤد ما عليه من حق, وأكثر الناس على هذا, قال تعالى: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) [الأنعام: 116].

- وصنف يؤدون ما عليهم من حق, وفي المقابل يحرصون على الحق الذي لهم, فهم لا يبدأون أحداً بظلم, وينتصفون إذا ظلموا ولا يتجاوزن في ذلك إلى أكثر من حقهم.

- وصنف أهل فضل, لا يظلمون أحداً, ويعفون عمن ظلمهم ويحسنون إلى من أساء إليهم, ويعطون من حرمهم, وهؤلاء هم أقل الناس عددا وأكثرهم بركة ونفعا(2).

ولهذا التقسيم نظير في الموقف من الأوامر والنواهي, كما قال الله تعالى (ثمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) [فاطر: 32], فالظالم لنفسه هو المفرط في فعل بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات, والمقتصد هو المؤدى للواجبات, التارك للمحرمات, وقد يترك بعض المستحبات ويفعل بعض المكروهات, وأما السابق بالخيرات فهو الفاعل للواجبات والمستحبات والتارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات(3) .

أما الموقف من هذه الطبائع, فإن الظلم ممنوع ومحرم قال تعالى: (وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا) [الفرقان: 19], والظلم معلوم قبحه بالعقل قبل الشرع(4), فلا وجه لقبوله أو إقراره.

أما الصنفان الثاني والثالث فهما بين عدل وفضل, والنفوس وإن مالت كثيراً إلى الظلم (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ) [الأحزاب: 72], فهي ترضى بالعدل, ولكن قد تضيق كثيرا من النفوس عن الوصول إلى درجة الفضل, فيصير تكليفاً بما لا تطيقه لذا لم يكن بذل الفضل في الإسلام واجباً, بل مستحباً ومندوباً إليه.

ومن أمثلة ذلك قول الله تعالى: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) [الشورى: 41-43].

فأجاز لمن ظلم الانتصار ممن ظلمه بقدر مظلمته دون تجاوز أو بغي أو تعد, وحذر من الظلم ابتداء أو مجاوزة عند استيفاء الحق, ثم ندب بعد ذلك إلى الفضل وهو الصبر والعفو عمن ظلم, فعالج طبائع النفوس المختلفة, فحذر الأولى من الظلم وتوعدها بالعذاب الأليم, وأجاز لأهل الصنف الثاني أخذ حقهم دون تجاوز مالهم, وندب بعد ذلك إلى المقام العظيم, سبيل الأبرار المتمثل في الصبر والعفو, وهذا كثير في القرآن كما قال تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) [النحل: 126], وقال تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) [الشورى: 40].

ومن مظاهر اليسر في قيم الإسلام الخلقية عدم المؤاخذة على ما لا يدخل تحت قدرة المكلف من أعمال القلب ووساوس النفس، سواء في ذلك ما هو محمود في ذاته كالمحبة ونحوها, أو ما هو قبيح في ذاته كالحسد والكراهة ونحوهما, ما لم تتحول إلى كلام أو عمل, كما قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله تجاوز لي عن أمتي ماحدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل)(5) .

"ولا رتباط خواطر النفس ببواعثها في الخير والشر, فهناك ما يبعث في النفس حوافز المعروف ويحركها نحوها رغبة في الخير واكتساب الفضيلة وطلباً للأجر, وهناك ما يبعث فيها دوافع المنكر ويغريها بارتكابه ويزينه لها"(6), جاء الإسلام بالثناء على الخواطر الخيّرة إذا صارت هماً(7) , والحث على إمضائها, كما رغب في إبعاد الخواطر السيئة وجعل الرجوع عنها حسنة يؤجر المرء عليها, قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله -عز وجل- كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة، فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة، فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة)(8) .  


(1)  محمد عبد الله دراز – نظرات في الإسلام ص 67, دار الأرقم للطباعة والنشر سنة 1392هـ.

(2)  انظر: محمد عبد الله دراز, نظرات في الإسلام ص 70-71.

(3) ابن كثير – تفسير القرآن العظيم (3 / 554-555).

(4)  انظر: ابن تيمية – الفتاوى ( 8 / 434-435).

(5)  متفق عليه , ابن حجر (11 / 549) والنووي شرح صحيح مسلم (1 / 332).

(6)  مناع القطان – رفع الحرج في الشريعة الإسلامية ص 19, الدار السعودية للنشر ط 2 سنة 1405هـ.

(7)  المراحل النفسية التي تمر بها الأشياء قبل أن تترجم إلى سلوك هي: الخاطرة والتردد, والهم أو الإرادة, ثم العزيمة, انظر: المرجع السابق ص22, ابن القيم, التبيان في أقسام القرآن ص 267, دار الطباعة المحمدية بالأزهر توزيع مكتبة الرياض الحديثة طبع سنة 1388هـ.

(8) متفق عليه, ابن حجر الفتح (11 / 323) النووي شرح صحيح مسلم (1 / 336-337).