بحث عن بحث

                 

خصائص قيم الإسلام الخلقية ( 10- 10).

 

سادساً: موافقة الفطرة.

إن التشريع الذي يكتب له الخلود هو الذي يفي بمتطلبات الحياة الإنسانية, ويمسك بقياد البشرية ليسوقها برفق إلى الحياة الكريمة, فينظم مصالحها, ويحل مشكلاتها.

وحتى يتسنى له الاضطلاع بهذه المهمة العظيمة والمسؤولية الجسيمة لابد أن يصدر من عَاِلم بالنفس الإنسانية وقدراتها وإمكاناتها مما يمنحه القدرة على الارتقاء بها مع عدم مصادمتها, أو تعسّف الطريق لإصلاحها.

ولقد جاء الإسلام بنظام متين في مجال القيم الخلقية يوافق الفطرة ويسمو بالنفس الإنسانية, ذلك أن النفوس مجبولة على محبة القيم الفاضلة واستحسانها, ولو لم تقم بها أو عجزت عن تحصيلها, فلم يزل الناس يثنون على الكريم والشجاع والأمين والعفيف ونحوهم, ولو قصرت بهم نفوسهم عن القيام بهذه الفضائل, وهذا ما جعل أبو سفيان يثني على الرسول صلى الله عليه وسلم عند هرقل(1) , رغم تزعمه معارضته يومئذ حيث قال: (يأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة) (2) , لأن حسن هذه الأمور مستقر في الفطر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (الإنسان من نفسه يجد من لذة العدل والصدق والعلم والإحسان, والسرور بذلك ما لا يجده من الظلم والكذب والجهل, والناس الذين وصل إليهم ذلك, والذين لم يصل إليهم ذلك يجدون في أنفسهم من اللذة والفرح والسرور بعدل العادل وصدق الصادق وعلم العالم, وإحسان المحسن, ما لا يجدونه في الظلم والكذب والإساءة, ولهذا يجدون في أنفسهم محبة لمن فعل ذلك وثناءً عليه، ودعاء له, وهم مفطورون على محبة ذلك واللذة به, لا يمكنهم دفع ذلك عن أنفسهم, كما فطروا على وجود اللذة بالأكل والشرب, والألم بالجوع والعطش) (3).

وقال ابن القيم: ( إن الله فطر عباده على استحسان الصدق والعدل والعفّة والإحسان، ومقابلة النعم بالشكر، وفطرهم على استقباح أضدادها، ونِسْبَةُ هذا إلى فطرهم وعقولهم كنسبة الحلو والحامض إلى أذواقهم، وكنسبة رائحة المِسك ورائحة النَّتن إلى مشامَّهم، وكنسبة الصوت اللذيذ وضده إلى أسماعهم، وكذلك كل ما يدركونه بمشاعرهم الظاهرة والباطنة، فيفرَقون بين طيبَه وخبيثه، ونافعه وضاره)(4) .

ومن مظاهر موافقة قيم الإسلام الخلقية للفطرة أيضاً, عدم مصادرتها لنوازع النفس ودوافع السلوك فيها, فمن المعلوم أن النفس جبلت على كثير من النزعات والغرائز ذات التأثير الكبير في الأخلاق والسلوك, كالمحبة والكراهية, والغضب والرضا, فلم يأت الإسلام بمصادمة هذه الغرائز وإلغائها, بل جاء بتهذيبها من جهة، وتوجيهها الوجهة الصحيحة من جهة أخرى, فالغضب والغلظة والشدة ليست ممقوتة في كل حال, بل هي مأمور بها في مواطنها الصحيحة, فالغضب لله ولرسوله, ولما جاء به من الحق أمر مطلوب, فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده ولا امرأة ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه, إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى, فينتقم لله عز وجل) (5) .

 والغلظة على الكفار والمنافقين متعينة, قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) [التوبة:73].

وكذا الشدة على الكفار, كما قال تعالى في وصف رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضوان الله عليهم: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ) [الفتح:29].

بل جعل الله تعالى الغيظ على الكفار من دوافع جهادهم, وفي هذا إقرار لهذا الأمر وتصريف له في محله اللائق به, قال تعالى: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ  وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) [التوبة:14-15].

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله موقف الإسلام من هذه الغرائز والدوافع من خلال حديثه عن القلب الذي هو منبعها فقال:" ولما سلطت عليه الشهوة والغضب والشيطان أعين بجند من الملائكة، وجعل له محل من الحلال ينفذ فيه شهواته، وجعل بإزائه أعداء له ينفذ فيهن غضبه، فما ابتلى بصفة من الصفات إلا وجعل لها مصرفاً ومحلاً ينفذها فيه، فجعل لقوة الحسد فيه مصرفاً وهو المنافسة في فعل الخير والغبطة عليه والمسابقة إليه، ولقوة الكبر مصرفاً وهو التكبر على أعداء الله تعالى وإهانتهم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن رآه يختال بين الصفين في الحرب: (إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن ) (6) وقد أمر الله سبحانه بالغلظة على أعدائه.

وجعل لقوة الحرص مصرفاً وهو الحرص على ما ينفع، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( احرص على ما ينفعك ) (7) , ولقوة لشهوة مصرفاً وهو التزوج بأربع والتسري بما شاء، ولقوة حب المال مصرفا وهو إنفاقه في مرضاته تعالى والتزود منه لمعاده، فمحبة المال على هذا الوجه لا تذم، ولمحبة الجاه مصرفاً وهو استعماله في تنفيذ أوامره، وإقامة دينه، ونصر المظلوم، وإغاثة الملهوف، وإعانة الضعيف، وقمع أعداء الله، فمحبة الرياسة والجاه على هذا الوجه عبادة، وجعل لقوة اللعب واللهو مصرفا وهو لهوه مع امرأته أو بقوسه وسهمه أو تأديبه فرسه وكل ما أعان على الحق، وجعل لقوة التحيل والمكر فيه مصرفاً وهو التحيل على عدوه وعدو الله تعالى بأنواع التحيل حتى يراغمه ويرده خاسئاً ويستعمل معه من أنواع المكر ما يستعمله عدوه معه، وهكذا جميع القوى التي ركبت فيه جعل لها مصرفاً، وقد ركبها الله فيه لمصالح اقتضتها حكمته، ولا يطلب تعطيلها وإنما تصرف مجاريها من محل إلى محل ومن موضع إلى موضع"(8) .

ومن أمثلة موافقة قيم الإسلام الخلقية للفطر وتهذيبها للغرائز أذن النبي صلى الله عليه وسلم بالهجر ثلاثة أيام إذا وقع تنازع أو تخاصم بين اثنين أو غضب من أحدهما على الآخر لشيء من أمور الدنيا(9) , مراعاة لطبائع النفوس, فعن أبي أيوب الأنصاري(10)  رضي الله عنه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) (11) .

قال الحافظ:" قوله: (فوق ثلاث) ظاهرة إباحة ذلك في الثلاث, وهو من الرفق, لأن الآدمي في طبعه الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك والغالب أن يزول أو يقل في الثلاث" (12)


(1)  هرقل هو ملك الروم بالشام وقائدهم يوم اليرموك, فلما هزم لم يزل يتأخر في أرض الروم حتى بلغ القسطنطينية، ثم هلك بعد ذلك.

ابن الأثير – الكامل في التاريخ (2/341).

(2)  رواه البخاري, ابن حجر الفتح (1/32).

(3)  ابن تيمية – الرد على المنطقيين ص 423.

(4)  ابن القيم – مدارج السالكين (1 /230 ).

(5)  رواه مسلم, النووي شرح صحيح مسلم (5 / 181).

(6)  رواه الطبراني, انظر: الهيثمي – مجمع الزوائد (6 / 109) قال: وفيه من لم أعرفه, دار الكتاب العربي, بيروت ط3 سنة 1402هـ.

(7)  جزء من حديث رواه مسلم, النووي, شرح صحيح مسلم (5 / 520-521).

(8)  ابن القيم ، التبيان في أقسام القرآن ص 263-264 مختصراً.

(9) أما الهجر لأمر ديني فلا حد للهجر حتى يقلع العاصي عن معصيته أو يقتضي قطع الهجر مصلحة شرعية معتبرة, وقد هجر النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك خمسين ليلة وأمر بهجرهم حتى تاب الله عليه، وقصتهم مشهورة، وهي في الصحيحين، وانظر في هذا: ابن تيمية ، الفتاوى ( 28  / 204)0(10)  هو خالد بن زيد بن كليب الأنصاري أبو أيوب, من كبار الصحابة, شهد بدراً وما بعدها, مات غازياً الروم سنة 50هـ, وقيل بعدها, أسد الغابة( 5/25) سير أعلام النبلاء( 2/402) تقريب التهذيب ص188.

(11)  متفق عليه, ابن حجر الفتح (10 / 492) النووي شرح صحيح مسلم (5 / 425).

(12)  ابن حجر, الفتح ( 10 / 495).