بحث عن بحث

                       

الحلقة (34) ضوابط قيم الإسلام الخلقية ( 3- 10).

 

وأما أثر ذلك فيتمثل في القصور عن إصابة الحق دائماً، وعدم القدرة على استحضار الصواب في كل وقت وحين, وهذا القصور والضعف يسلب الإنسان القدرة على وضع منهج سالم من النقص والخلل.

وبعد هذا كله فإن" أهواء الإنسان وشهواته تتغلب عليه وتشل قدراته الفكرية فلا يكون إدراكه للأمور مجرداً من المؤثرات, إنما يكون هذا الإدراك متأثراً بغلبة الهوى أو نزوة الشهوة, فلا يرى الشيء إلا بمنظار هواه، ولا يبصر فيه إلا ما يروى ظمأ شهواته, وهذا يجعل تفكير جائراً, ينأى عن الحق, ويبعد عن الصواب"(1) .

وفي المقابل يبين الله تعالى في كتابه ما يؤكد استحقاقه للتفرد بالحكم والاستقلال بالتشريع:

- فهو العالم بالإنسان, بفطرته ونزعاته وغرائزه واستعداداته وسائر أموره, ( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك: 34], وقال تعالى: (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) [النجم: 32].

- وهو العالم بمستقبل الإنسانية وظروف حياتها ومستجداتها وكل ما هو كائن لها, قال تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ) [الحجر: 24], وقال تعالى: (اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ) [الرعد: 8], وقال سبحانه: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) [النحل: 65].

- وهو سبحانه العالم بالمصالح وأضدادها, وبالخير والشر في مختلف الظروف والأحوال, وسائر البقاع والأزمان, قال تعالى: (وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 216], قال ابن القيم: "من أسرار هذه الآية أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور, والرضا بما يختاره له ويقتضيه له، لما يرجوا فيه من حسن العاقبة" (2)

- وأما الخطأ والنسيان فالله تعالى منزه عنه كما قال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) [مريم: 64], وقال تعالى على لسان موسى (لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى) [طه: 52], قال ابن كثير:"يصف علمه تعالى بأنه بكل شيء محيط وأنه لا ينسى شيئاً تبارك وتعالى وتقدس وتنزه, فإن علم المخلوقين يعتريه نقصانين؛ أحدهما: عدم الإحاطة بالشيء, والآخر: نسيانه بعد علمه، فنزه نفسه عن ذلك"(3) .


(1) مناع القطان – الحاجة إلى الرسل ص 189.

(2)  ابن القيم – الفوائد ص 137.

(3) ابن كثير – تفسير القرآن العظيم ( 3 / 155).