بحث عن بحث

 

ضوابط قيم الإسلام الخلقية ( 4- 10).

 

الحلال والحرام وقيم الإسلام الخلقية:

إن التحليل والتحريم وما يتبع ذلك من مسؤولية على الأفعال والتصرفات وما يترتب عليه من جزاء ركن أصيل ومبدأ عظيم من مبادئ القيم الخلقية في الإسلام, فبالإلزام قام سوق الفضائل وارتفعت معالم القيم, وسادت مكارم الأخلاق.

وإذا كان مصدر الإلزام في قيم الإسلام الخلقية هو صدورها من الله العليم الحكيم, وفرضه لها, فإن هناك عوامل أخرى تدعو إلى الأخذ بها وتدفع إلى التزامها, منها الفطرة السليمة, ومنها رقابة المجتمع (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [ آل عمران:104], ومن أعظمها طبيعة هذه التكاليف وما فيها من خير ويسر وصلاح للفرد والمجتمع, ومما يدفع إلى الالتزام بقيم الإسلام الخلقية أيضاً, ما يظهر من معاناة المجتمعات البشرية عند الغفلة عن شرع الله والإعراض عنه من انتشار الظلم وحلول الضلال والشقاء والنكد, قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) [طه:124].

كل هذه مجتمعة تدفع إلى الالتزام عن رغبة وقناعة، أو خوف ورهبة، أو عنهما معا.

وليست قيم الإسلام الخلقية على درجة واحدة من الوجوب بل منها ما هو فرض متعين, ومنها ما هو مندوب إليه, وبالجملة فقد أوجبت الشريعة ما لابد منه, ويضمن للمسلم حياة كريمة, وللمجتمع عيشاً مستقراً, واستحبت ما يرفع درجة الفرد ويعلي منزلته, ويزيد سعادة المجتمع وطمأنينته.

ومما يوجب الأخذ بضابط الحلال والحرام في القيم الخلقية عدم ثبات الآثار المترتبة على القيمة الخلقية الواحدة لظرف أو آخر, فعلى الرغم من أن الأصل فيها أنها منشئة للمصلحة لما تتمتع به من حسن في ذاتها(1) , لكن قد يتخلف هذا الأمر لعدم قابلية المحل أو لوجود معارض.

قال ابن القيم رحمه الله:" إن كون الفعل حسناً أو قبيحاً لذاته أو لصفته, لم يعن به أن ذلك يقوم بحقيقة لا ينفك عنها بحال مثل كونه عرضاً وكونه مفتقراً إلى محل يقوم به, وإنما نعني بكونه حسناً أو قبيحاً لذاته أو لصفته أنه في نفسه منشأ للمصلحة والمفسدة، وترتبها عليه كترتب المسببات على أسبابها المقتضية لها, وهذا كترتب الري على الشرب, والشبع على الأكل.

فحسن الفعل أو قبحه هو من جنس كون الدواء الفلاني حسناً نافعاً أو قبيحاً ضاراً, وكذلك الغذاء واللباس وغيرها, فإن ترتب آثارها عليها ترتب المعلولات والمسببات على عللها وأسبابها, ومع ذلك فإنها تختلف باختلاف الأزمان والأحوال والأماكن والمحل القابل, ووجود المعارض فتخلف الشبع والري عن الخبز واللحم والماء في حق المريض ومن به علة تمنعه من قبول الغذاء لا تخرجه عن كونه مقتضياً لذلك لذاته فهذه قوى الأغذية ...

فهكذا أوامر الرب تبارك وتعالى وشرائعه سواء, يكون الأمر منشأ للمصلحة وتابعاً للمأمور في وقت دون وقت, فيأمر به تبارك وتعالى في الوقت الذي يعلم أنه مصلحة فيه, ثم ينهى  عنه في الوقت الذي يكون فعله فيه مفسدة – إلى أن قال في مبنى أوامر الله تعالى أنها – مراعاة مصالح عباده ومفاسدهم في الأوقات والأحوال والأماكن والأشخاص"(2)


(1)  هذه مسألة التحسين والتقبيح العقليين, وخلاصة الأمر فيها كما ذكر ابن القيم في مدارج السالكين (1 / 231) وما بعدها أن الناس اختلفوا فيها على ثلاثة مذاهب وقد عدها مبتدئاً بمذهب جمهور السلف, ومذهبهم أن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة, كما أنها نافعة وضارة, ولكن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب إلا بالأمر والنهي, وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحاً موجباً للعقاب مع قبحه في نفسه.

- والنفاة (ويعني الأشاعرة) يقولون: ليست في ذاتها قبيحة, وقبحها والعقاب عليها إنما ينشأ بالشرع.

- والمعتزلة تقول: قبحها والعقاب عليها ثابتان بالعقل, وقد أطال رحمه الله في الاستدلال للمذهب الأول.

وما ذهب إليه هو ما قرره شيخ الإسلام في مواضع من كتبه, انظر: الرد على المنطقيين ص 421, ومجموع الفتاوى (8 / 428-435).

(2)  ابن القيم – مفتاح دار السعادة (2 /28) وانظر: عبد العزيز بن عبد السلام, قواعد الأحكام (2 / 90) وما بعدها, دار الكتب العلمية – بيروت, وقد عبر عن هذا المعنى بما حاصله: أن من الأفعال ما هو حسن أو قبيح بذاته وقد تكون بعض ثمراته قبيحة, فينهى عنه لذلك, ومنها ما هو قبيح في ذاته ولكن قد يؤمر به تارة لحسن ثمراته, ويأتي إن شاء الله ذكر بعض الأمثلة التي استدل بها على ذلك.