بحث عن بحث

 

ضوابط قيم الإسلام الخلقية ( 8- 10).

 

المكروه والمباح وقسم الإسلام الخلقية:

سبق(1)أن قيم الإسلام الخلقية عبادة فهي دائرة بين الوجوب والاستحباب, وبالتالي فلا مدخل للمكروه أو المباح فيها.

على أن هناك من التصرفات ما يباح الأخذ بها وتترك لها القيمة الخلقية تخفيفاً على الناس ورفعاً للحرج عنها, ومراعاة لقدراتهم وهممهم, مثال ذلك العدل في مقام المعاملة والمقابلة بالمثل" فالمعاملة بالمساواة رخصة لا يتوجه إليها أمر ولا نهي ولا يناط بها مدح أو ذم, ولا يستحق صاحبها ثواباً ولا عقاباً"(12) .

ومن أدلة هذا قول الله تعالى: (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [الشورى: 41-43]. فبين سبحانه أن جزاء السيئة بمثلها حق جائز، ثم بيّن فضيلة العفو, وأن من عفا عمن ظلمه فإن الله سبحانه يأجره على ذلك(3) .

وقال تعالى: (لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً عَلِيماً * إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً) [ النساء: 148-149], وقال تعالى: (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) [ الشورى: 40], فأباح الله مقابلة الجاني بمثل جنايته, وهو العدل, ثم ندل إلى العفو وهو الفضل(4) .

وفي إباحة هذه الأفعال في مثل هذه الأحوال مراعاة لضعف الإنسان بمقتضى فطرته وخلقته, كما أن في الترغيب في القيم الخلقية سعي بالحكمة إلى الارتقاء بالإنسان والسمو به دون مصادمته أو إلزامه ما يشق عليه.

وحيث أن هذه التصرفات المباحة ليست مطلوبة في ذاتها فلا تعدو عن كونها فسحة وسعة لمن احتاج إليها أو ضعفت نفسه عن غيرها, ولذا فغالباًَ ما يقترن بالإذن فيها الحث والتحريض على ما هو أرفع منها من الفضل والإحسان.

وإذا كان هذا في المباح ففي المكروه من باب أولى, فهو بذاته منفر منه ومنهي عنه.

وما قيل في المباحات عموماً من تحولها إلى طاعات بالنية الصالحة منطبق تماماً على المباحات التي تترك لها القيمة الخلقية, فإن المقتص ممن ظلمه إذا قصد بذلك قمع هذا المعتدي عن التهاون في الظلم والتعدي على الآخرين فإنه يثاب على هذا القصد, قال القرطبي:" وبالجملة العفو مندوب إليه, ثم قد ينعكس الأمر في بعض الأحوال فيرجح ترك العفو مندوباً إليه.. وذلك إذا احتيج إلى كف زيادة البغي، وقطع مادة الأذى, وعن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل عليه, وهو أن زينب(5)أسمعت عائشة رضي الله عنها بحضرته فكان ينهاها فلا تنتهي, فقال لعائشة: (دونك فانتصري)(6), خرّجه مسلم

 


(1)  عند الحديث عن خصائص القيم الخلقية, الخصيصة الثانية – إنها عبادة لله تعالى.

(2)  د. محمد عبد الله دراز, نظرات في الإسلام ص 78.

(3)  انظر: القرطبي, الجماع لأحكام القرآن ( 16 / 41)ا لشوكاني, فتح القدير ( 4 / 541).

(4)  عبد الرحمن بن سعدي, القواعد والأصول الجامعة ص 54.

(5)  هي زينب بنت جحش بن رباب الأسدية, أم المؤمنين, ابنة عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم, من المهاجرات الأول, ماتت سنة20هـ, في خلافة عمر, أسد الغابة (6/125) سير أعلام النبلاء( 2/211) الإصابة (4/307).

(6)  رواه أحمد وابن ماجة, أحمد البنا – الفتح الرباني (22 / 114).

ابن ماجة – في سننه (1 / 637) الألباني – سلسلة الأحاديث الصحيحة (4 / 476) ولفظه عند مسلم: (استأذنت زينب على رسول صلى الله عليه وسلم وهو مع عائشة فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالت يارسول الله: إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة قالت عائشة: ثم وقعت بي فاستطالت علي وأنا أرقب رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يأذن لي فيها, قالت: فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكره أن انتصر, قالت: فلما وقعت بها لم أنشبها حتى انحنيت عليها, قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبسم: ( إنها ابنة أبي بكر). النووي شرح صحيح مسلم (5/298).