بحث عن بحث

الوقفة الأولى: محبة الله تعالى لعباده المؤمنين

الحديث عن محبة الله سبحانه لعباده المخلصين حديث تحبه النفوس المؤمنة، وترغبه الأنفس الطموحة، وتهواه القلوب السليمة، وفي هذا الحديث بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يحب، فالمحبة صفة لله عز وجل نثبتها كما أثبتها رسوله صلى الله عليه وسلم على الوجه اللائق به جل وعلا من غير تحريف لها ولا تعطيل لمعناها، ولا تشبيه ولا تكييف ولا تمثيل لها.

من الذي يحبه الله سبحانه وتعالى؟

ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الله سبحانه وتعالى يحب المؤمن، وأن هذه المحبة تزداد للمؤمن القوي، كما أنه تعالى: يحب المتقين، ويحب المحسنين، ويحب المتوكلين، ويحب الصابرين، ويحب الشاكرين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب المقسطين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص، «وهو وتر يحب الوتر»، و«جميل يحب الجمال»، و«رفيق يحب الرفق»، وهو عفو يحب العفو، وهو طيب يحب الطيب، وهو حيي ستير يحب الحياء والستر، ويحب العطاس، ويحب العبد التقي الغني الخفي، ويحب عبده المؤمن الفقير المتعفف أبا العيال، ويحب سمح البيع وسمح الشراء وسمح القضاء، «ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده»، و«يحب أن يُسأل»، و«يحب أن تؤتى رخصه»، و«من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه»، ومن الغيرة ما يحب الله ﻷ(1).

فالمؤمن الحصيف هو الذي يسعى لجلب محبة الله تعالى له بعمل ما يجلبها، فيحرص على هذه الصفات المحمودة: من الإيمان والتقوى والصبر والشكر والعفو والتوكل والجمال والنظافة، وغيرها مما يستجلب به محبة الله تعالى، ويحرص على الأعمال الصالحة التي تقربه إلى محبة الله ﻷ.

أثر محبة الله للعبد:

لمحبة الله تعالى أثر عظيم بينها النبي غ فيما جاء في الصحيحين عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ الله قَدْ أَحَبَّ فُلاَنًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيلُ فِي السَّمَاءِ: إِنَّ الله قَدْ أَحَبَّ فُلاَنًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَيُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ«(2).

وكلما كان المسلم أقوى تمسكًا في هذه الصفات التي تجلب محبة الله ازدادت محبة الله تعالى له، وهي غاية يجب أن يعمل المسلم للوصول إليها.

فَمَن هذا المغبون الذي لا يريد محبة الله ﻷ؟ إن ذاك هو الخاسر الذي خسر الدنيا والآخرة بخسران محبة الله تعالى!!

الأَعمال التي تجلب محبة الله سبحانه وتعالى:

لمحبة الله تعالى عوامل تجلبها، ومنها:

1-الإيمان القوي، وهو ما دلَّ عليه هذا الحديث.

2-أداء الفرائض، جاء في الصحيح: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيءً أحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضتُ عَلَيْه«(3).

3-المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها مع الجماعة، ففي صحيح البخاري عن عَبْدِ الله بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: «سَألْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم: أيُ الْعَمَلِ أحَبُّ إلَى اللهِ؟ قَالَ: الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا»(4). وكذا صلاة الليل، قال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى اللهِ صَلاةُ دَاوُدَ، وَأحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَومًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا»(5). وفي رواية أبي داود قال صلى الله عليه وسلم: «وَإنَّ الصَّفَّ الأوَّلَ عَلَى مِثْلِ الْمَلائِكَةِ، وَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا فَضِيلَته لابْتَدَرْتُمُوهُ، وَإن صَلاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أزْكَى مِنْ صَلاتِهِ وَحْدَه، وَصَلاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أزْكَى مِنْ صَلاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَثرُ فَهُوَ أَحَبُّ إلَى الله تَعَالَى»(6).

4-صلة الرحم وبر الوالدين خاصة، ففي تتمة حديث ابن مسعود السابق قَالَ ابن مسعود: ثُمَّ أيّ؟ قَالَ: «ثُمَّ برُّ الْوَالِدَيْنِ».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذه كلها وردت بها نصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية، تركت تخريجها طلبًا للاختصار.

(2) رواه البخاري في التوحيد، باب كلام الرب تعالى مع جبريل ونداء الله الملائكة، رقم: (7485)، ومسلم في البر والصلة، باب إذا أحب الله عبدًا أمر جبريل فأحبه وأحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، رقم: (2637).

(3) رواه البخاري في الرقاق، باب التواضع، رقم: (6502).

(4) رواه البخاري في مواقيت الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها، رقم: (527)، ومسلم في الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، رقم: (85).

(5) رواه البخاري في التهجد، باب من نام عند السحر، رقم: (1131)، ومسلم في الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به، أو فوت به حق، أو لم يفطر العيدين والتشريق، وبيان تفضيل صوم يوم وإفطار يوم، رقم: (1159).

(6) رواه أبوداود في الصلاة، باب في فضل صلاة الجماعة، رقم: (554).