بحث عن بحث

الوقفة الرابعة: احرص على ما ينفعك

ج- وأن يكون هذا السعي ضمن الإطار الشرعي، فلا تقترف محرمًا، ولا تباشر منكرًا، ولا تسلك طريقًا خاطئًا، ففي تعاملاتك لا تغش ولا تكذب ولا تُراب، بل تصدق وتتحرى الصدق والأمانة، ففي الصحيحين وغيرهما عن حَكِيمٍ بنِ حِزَامٍ رضي الله عنه، عَن النَّبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْبيعَانِ بالخِيَار مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإنْ صَدَقَا وَبيّنا بُوركَ لَهُمَا فِي بيَعِهِمَا، وَإن كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بركةُ بيعِهِمَا«(1).

(د) ألا يشغلك عن طاعة الله تعالى وعبادته ومناجاته، وقد حذَّر الله تعالى من ذلك فقال:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}(2)، كما أثنى الله على مَن لا تشغله التجارة عن ذكره سبحانه وتعالى بقوله:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ . رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ . لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}(3).

هـ- أن يحاول الإتقان في كل عمل يقوم به؛ لأن الرسول غ أمر بالحرص على ما ينفع، ولا ينفع شيء إلا بعد الإتقان، وكلما كان العمل متقنًا كان نفعه أكثر وأبقى، والعمل النافع يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، فمن الناس مَن يميل بطبيعته إلى الحرفة والصناعة، ومنهم من يميل إلى التعليم والتدريس وغير ذلك، والكل مطالَب أيًّا كان عمله أن يتقن ويجب ويبذل كل الجهود حتى ينفع نفسه وأسرته ومجتمعه وأمته.

2-ومن الأمور التي يتضمنها الحرص: الحرص على ما ينفع الإنسان في الآخرة، فالآخرة هي المقصود الأعظم، والدنيا ما هي إلا مجال لتحقيق عبودية الله تعالى في الأرض.

فالهدف والغاية الجليلة هي ما ينفع الإنسان في الآخرة، فالدنيا معبَر للآخرة، وهي كما قال تعالى:{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ  . سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}(4). فالبشرى لمن جعل هذه الحياة الدنيا معبرًا، وطلب مغفرة ورضوانًا من الله وجنة عرضها السماوات والأرض؛ لأن الدنيا كما وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود قال: نَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلمِ  عَلَى حَصِيرٍ، فَقَامَ وَقَدْ أثرَ في جَنْبِهِ، فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! لَو اتخَذْنَا لَكَ وِطَاءً؟ فَقَالَ: «مَا لِي وَمَا لِلدُنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُنْيَا إلا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَة ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا«(5).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه البخاري في البيوع، باب البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، رقم: (2110)، ومسلم في البيوع، باب الصدق في البيع والبيان، رقم: (1532).

(2) [المنافقون:9]

(3) [النور:36-38]

(4) [الحديد:20-21]

(5) رواه الترمذي في الزهد، باب حديث: (ما الدنيا إلا كراكب استظل)، رقم: (2377)، وابن ماجه في الزهد، باب مثل الدنيا، رقم: (4159).