بحث عن بحث

الوقفة السابعة: (لَوْ) تفتح عمل الشيطان

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبوبكر: يا رسول الله! مرني بشيء أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت، قال: «قل: اللهم عالم الغيب والشهادة، فاطر السماوات والأرض، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه، قال: قله إذا أصبحت، وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعك«(1).

وعن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلمًا يخافه فليبصق عن يساره، وليتعوذ بالله من شرها؛ فإنها لا تضره«(2).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله؛ فإنها رأت ملكًا، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوَّذوا بالله من الشيطان؛ فإنه رأى شيطانًا«(3).

وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تلجوا على المغيبات فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم»(4). والمغيبة: المرأة التي يكون زوجها غائبًا.

وعن أبي الأحوص عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المرأة عورة؛ فإذا خرجت استشرفها الشيطان»(5).

وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة؛ فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم قرأ: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(6) »(7)

هذه مجرد أمثلة للأعمال التي يمكن للعبد أن يجتنب بها إغواء الشيطان وكيده ومكره، وأمثلة للأعمال التي يغوي بها الشيطان العبد، فيمكن له أن يجتنبها، ويبتعد عنها؛ فينجو من إغواء الشيطان، وإلا فالقاعدة: أن كل عمل صالح يبعد العبد من الشيطان ومكره، وكل عمل سيئ يخشى على عامله أن يقع فريسة الشيطان ومكره.

ولعلَّ من الأسباب التي تفتح الأبواب للشيطان على الإنسان:

- المعاصي بأنواعها: لأن المعاصي من وساوس الشيطان، كما أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.

- ومنها الغضب: فهو باب عظيم، ومدخل خطير من مداخل الشيطان؛ لأن الإنسان إذا غضب تأثرت حركة دورته الدموية؛ فيستغلها الشيطان ليؤثر عليه، ولذلك حذَّر الرسول صلى الله عليه وسلم من الغضب فقال عليه الصلاة والسلام: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»(8). وقال للرجل الذي طلب الوصية منه: «لا تغضب»(9).

- ومن مداخل الشيطان: العجب بالنفس، حتى يرى أنه قد عمل أعمالًا جعلت الشيطان ينفخ فيه، فتبطل هذه الأعمال بالعجب، ومنها الكبر والتعالي على الآخرين، وهذا من وسوسة الشيطان، وإلا فـ  {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(10)، ومن ينظر إلى الناس صغارًا كمن يراهم من جبل شاهق مرتفع، فكذلك هم يرونه صغيرًا، فيتعالى هذا المسكين حتى على الأعمال الصالحة، فينفخ فيه الشيطان فيرديه المهالك.

- ومنها ما ذكر في الحديث: «فإن لو تفتح عمل الشيطان»: فعلى المسلم أن يتجنب هذه المداخل والأسباب وغيرها حتى لا يدخل عليه الشيطان، وأن يقوي حصونه الداخلية من طاعة الله تعالى، وذكره، وقراءة كتابه، والإكثار من الأعمال الصالحة.

أعاذنا الله من الشيطان وشره وكيده ومكره، وجنَّبنا شرور أنفسنا، وأعاننا عليها، إنه سميع قريب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه أبوداود في الأدب، باب ما يقول إذا أصبح، رقم: (5067)، والترمذي في الدعوات، باب منه [دعاء: (اللهم عالم الغيب والشهادة فاطر السماوات والأرض..)]، رقم: (3392).

(2) رواه البخاري في بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، رقم: (3292)، ومسلم في الرؤيا، باب في كون الرؤيا من الله، وأنها جزء من النبوة، رقم: (1434).

(3) رواه البخاري في بدء الخلق، باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعب الجبال، رقم: (3303)، ومسلم في الذكر والدعاء، باب استحباب الدعاء عند صياح الديك، رقم: (2729).

(4) رواه أحمد في (مسند المكثرين)، رقم: (13913، 14854)، والترمذي في الرضاع، باب [التحذير من ذلك لجريان الشيطان مجرى الدم]، رقم: (1172)، والدارمي في الرقاق، رقم: (2728).

(5) [البقرة:268] 

(6) رواه الترمذي في الرضاع، باب استشراف الشيطان المرأة إذا خرجت، رقم: (1173).

(7) رواه الترمذي في تفسير القرآن، باب ومن سورة البقرة، رقم: (2988).

(8) رواه البخاري في الأدب، باب الحذر من الغضب، رقم: (6114)، ومسلم في البر والصلة، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب، وبأي شيء يذهب الغضب، رقم: (2609).

(9) [الحجرات: 13]

(10) رواه البخاري في الأدب، باب الحذر من الغضب، رقم: (6116).