بحث عن بحث

مجالات الاستقامة الرئيسة (3-7)

      ثالثاً: الاستقامة في التشريع:

إن الله سبحانه هو الذي له الحكم القدري، والحكم الشرعي، والحكم الجزائي، كما أنه هو الذي يؤله ويُعبد وحده لا شريك له، ويطاع طاعة مطلقة فلا يعصى، بحيث تكون الطاعات كلها تبعاً لطاعته، والذين اتخذوا علماءهم وأمراءهم أرباباً من دون الله، وجعلوا طاعتهم مقدمة على طاعته؛ فهم آلهتهم من دون الله يقدمون حكمهم على حكمه، وهذا شرك به جل وعلا، فإن الحكم كله لله، كما أن الاعتقاد والعبادة كلها لله، وفي الحديث عن عَدِيِّ بن حاتم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عدي! اطرح عنك هذا الوثن». وسمعته يقرأ في سورة براءة: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ}(1)، قال: «أمَا إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه«(2).

إن عدم الرضا بحكم الشرع، وإيثار حكم البشر والقوانين الوضعية، وتفضيلها أو مساواتها بحكم الله ورسوله كفر، يقول تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(3).

يقول ابن كثير : في تفسير هذه الآية: «يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً، ولهذا قال: {ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(4) أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجاً مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليماً كليًّا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، كما ورد في الحديث: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به«(5).

وفي الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما: أنه حدَّثه أن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير عند النبي صلى الله عليه وسلم في شِرَاجِ الحَرَّةِ التي يَسْقُون بها النخل، فقال الأنصاري: سَرِّح الماء يَمُرُّ فأبى عليه، فاختصما عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير: اسْقِ يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فغضب الأنصاري فقال: أَنْ كان ابن عمتك، فتلوَّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: اسْقِ يا زبير ثم احبِس الماء حتى يرجع إلى الجَدْرِ، فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك، {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}(6).

وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا}(7) [الأحزاب:36]، ومن الناس من يأخذ بحكم الشرع إذا رأى فيه نفعاً عاجلاً، وإذا رأى فيه خسارة دنيوية آثر هواه على حكم الله ورسوله، وهذه من صفات المنافقين، يقول تعالى: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ . وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ . أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ۚ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}(8)

وهذا -أعني عدم تحكيم شرع الله- سواء كان على مستوى الفرد، أو على مستوى الجماعات والدول.

وفي هذا العصر قد تجاهل كثير من حكام المسلمين التشريع الإسلامي، وأبعدوه عن التحكيم في معظم جوانب الدين، وحلت القوانين الوضعية محله، وإن كان بدا تعطيل نظام العقوبات الإسلامي في آخر القرن الثامن عشر الميلادي، ففي عصرنا هذا قد شملت القوانين الوضعية شتى جوانب الحياة في كثير من البلاد الإسلامية، ولم ينج منه إلا القليل النادر.

وقد أدى هذا التساهل في تطبيق الشرع إلى التشكيك في صلاحية هذا الشرع الحنيف لكل زمان ومكان، والتشكيك في هداية القرآن الكريم إلى أهدى سبيل لكل جيل إلى يوم القيامة، وإنكار كون السنة النبوية مصدراً من مصادر التشريع الإسلامي، حتى نسب إلى أحدهم قوله: «إن محمداً نسخ نصف القرآن في حياته؛ لأنه لا يتمشى مع الحياة، وبإمكاننا نحن الأمة أن ننسخ ما لا يتلاءم مع مسيرتنا«(9).

وهل يشك أحد في جهالة هذا القول بل في كفره، كيف يتجرأ القائل أن يضع نفسه مكان المشرع ينسخ ما يشاء ويثبت، ويطعن فيما شاء من الأحكام الشرعية وينسبها إلى النقص؟(10)

ومما يدخل في الاستقامة في التشريع: انقياد النفس لأحكام الشرع على النفس ذاتها، وعلى الأفعال الفردية والجماعات، ومن مقتضى ذلك على سبيل المثال: الإذعان والتسليم بما فرض الله تعالى على عباده كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وغيرها من أفعال الطاعات، فيفعلها المسلم قربة بغاية التسليم والانقياد والرغبة. ومثلها في الأمور المالية: يتعامل ويرضى بما شرعه الله تعالى وأباحه، فيصدق في بيعه وشرائه، ولا يتعامل بالغش والخداع، والربا، وأكل أموال الناس بالباطل ونحوها. ومثلها في الأمور الشخصية: كاللباس والزينة؛ فتذعن المرأة لحجابها وسترها محتسبة الأجر والثواب، تعلم أن كمال المصلحة في ذلك.. وهكذا يرضى العبد بما شرعه الله تعالى دون اعتراض على أحكامه وحكمه.

ومما يخص بالذكر: التسليم في الدعاوى والقضاء، عندما يُحكم للإنسان أو يحكم عليه بحكم الله؛ فلا يكيل التهم أو يشكك في تلك الأحكام، وقد يتمادى إلى الاعتراض على حكم الله تعالى.

ومثل ذلك: صياغة الأنظمة والتشريعات، يجب أن تصاغ في ضوء الضوابط الشرعية مهما خالفت الهوى، أو ما يظن أنه مصلحة عاجلة ونحو ذلك.

ونختم بما ظهر حديثاً من جرأة بعض الناس، وبخاصة بعض كُتَّاب الصحافة ورواد الشاشات، هذه الجرأة التي تطاول فيها أولئك على بعض الأحكام والتشريعات الإلهية، ومن أبرزها: ما يتعلق بالتكاليف الشرعية على المرأة المسلمة من حجاب، وعدم اختلاط بالرجال، وعفة، وستر، فذاك يستهزئ بالحجاب، والآخر يحبذ الاختلاط ويأمر به ويزينه، وأخرى تطبق ذلك، ورابع ورابعة يسخر من التشريع في الميراث والدية والحقوق، وهكذا..

إن الاستقامة في التشريع يعني التسليم والانقياد لأحكام الله تعالى، ونعود لنذكِّر بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا}(11).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [التوبة:31]

(2) رواه الترمذي في «تفسير القرآن»، باب ومن سورة التوبة (3095).

(3) [النساء:65]

(4) [النساء:65]

(5) رواه البغوي في «شرح السنة» (1/213).

(6) [النساء:65]

(7) [الأحزاب:36]

(8) [النور:48-50]

(9) رواه البخاري في المساقاة، باب في سكر الأنهار (2360)، ومسلم في الفضائل، باب وجوب اتباع النبي غ (2357)، والشراج: مسيل الماء، والجَدر: أصل البستان.

(10) (مجلة المجتمع) العدد (524)، الصادر في (9) جمادى الآخرة 1401 هـ، ص (29).

(11) [الأحزاب:36]