بحث عن بحث

خطوات في طريق التصحيح (3-4)

8-على المرء أن يحدد الهدف من وجوده في هذه الحياة، فلم يخلق سدىً، ولم يخلق الله الحياة والموت عبثاً ولعباً، إنما خلق الخلق ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ(1) ، المسلم وهو يستحضر الهدف في كل عمل يعمله يجتهد كل الاجتهاد في تحقيق الهدف، فيا ترى ما هدف المسلم في هذه الحياة؟ لا شك أنه ابتغاء رضوان الله، والسعي الحثيث إلى جنات عرضها السماوات والأرض، فعن عبادة بن الصامت ا أنه قال: «إني لمن النُّقباء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نزني، ولا نسرق، ولا نقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا ننتهب، ولا نعصي، فالجنة إن فعلنا ذلك، فإن غشينا من ذلك شيئاً كان قضاء ذلك إلى الله«(2)

بل كان حرص الصحابة منصب على هذا الأمر، كلٌّ يسأل كيف النجاة من النار؟ وكيف الفوز بالجنة؟ فعن أبي هريرة : أن أعرابيًّا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «دُلَّني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال: والذي نفسي بيده! لا أزيد على هذا، فلما ولَّى قال النبي صلى الله عليه وسلم: مَن سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا«(3)

وليذكر المسلم قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّـهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّـهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(4) .

9-الحذر من الفتن حسب المستطاع؛ فتنة الدنيا، فتنة الأولاد، فتنة الزوجة، فتنة الأصدقاء، فتنة التصورات والشبه، وفتنة شهوات النفس، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَاللَّـهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ . فَاتَّقُوا اللَّـهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(5)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّـهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ(6) .

ففي هذه الآيات تحذير من الوقوع في فتن الزوجة والأولاد والأموال، وهذه الفتن تكون بالصدِّ عن دين الله، فالأولاد قد يجبرونه على عمل لا يرضي الله تعالى ولا رسوله، والوالدان قد يصدانه عن الطريق المستقيم ويلزمانه عمل المعاصي، وطاعة الزوجة فيما لا يرضي الله تعالى تجر إلى الفتن.

وطريق الخلاص من ذلك: هو العزم على اجتناب المعاصي، وترجيح حب الله ورسوله على حب جميع الناس، بما فيهم الوالدان والأولاد والزوجات، قال تعالى عن الوالدين حال طلب الشرك من الولد: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(7) ، فليس للمسلم أن يطيع أحداً فيما فيه معصية لله، ومعصية لرسوله صلى الله عليه وسلم، وليذكر أن حق الله وحق رسوله صلى الله عليه وسلم أكبر من حق الآخرين، بل هذه الحقوق التي أثبتها لهؤلاء هو ربه وخالقه ورازقه سبحانه وتعالى، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما الطاعة في المعروف. انظر إلى موقف الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص حين يقول: كنت رجلاً براً بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعد! ما هذا الذي أراك قد أحدثت؟ لتدعَنَّ دينك هذا أولا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي، فيقال: يا قاتل أمه! فقلت: لا تفعلي يا أمه، فإني لا أدع ديني هذا لشيء، فمكثت يوماً وليلة لم تأكل، فأصبحت قد جهدت، فمكثت يوماً وليلة أخرى لا تأكل، فأصبحت قد اشتد جهدها، فلما رأيت ذلك، قلت: يا أمه! تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني هذا لشيء، فإن شئت فكلي وإن شئت لا تأكلي، فأكلت(8). وتوعَّد الله سبحانه وتعالى من كان حب الدنيا وحب الأولاد والوالدين أكثر من حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بالعذاب، يقول تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّـهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(9) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [ص:27]

(2) رواه مسلم في الحدود، باب الحدود كفارات لأهلها (1709).

(3) رواه البخاري في الزكاة، باب وجوب الزكاة (1397)، ومسلم في الإيمان، باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة (14).

(4) [التوبة:111]

(5)  [التغابن:15-16]

(6) [المنافقون:9]

(7) [لقمان:15]

(8) ذكره ابن الأثير في (أسد الغابة) (2/ 216).

(9) [التوبة:24]