بحث عن بحث

ويمكن بعد هذه الجولة أن ألخص القاعدة بالفقرات الآتية:

أنه على من يريد فهم السنة أن يتعرف على قواعد الجرح والتعديل ليعرف اصطلاحات القوم وكيفية التوثيق والتضعيف ومن ثم معرفة عدالة الرواة وضبطهم التي هي عامل من عوامل التوصل إلى صحة الإسناد أو ضعفه.

2 ـ وعليه: أن يفهم قواعد التصحيح والتضعيف التي يتوصل بها إلى الحكم على الحديث والتي تنطلق من شروط الحديث الصحيح، وما يتفرع عنها من مسائل لا يحسن بالطالب جهلها.

3 ـ ومن المهمات التوثق من صحة الحديث المستشهد به على المسألة المراد الاستشهاد بها، وأن هذا الحديث صالح للاستشهاد والاستدلال، وقد عرفنا متى يحكم على الحديث بالصحة.

4 ـ ومن المهم معرفة الموقف مما يناقض الصحيح أو الحسن وهذا باب مهم جدًّا حيث يقع فيه زلل كبير وبخاصة أن فيه دقة تحتاج إلى يقظة وتنبه.

التطبيق العملي: ولتطبيق هذه القاعدة أذكر عددًا من الأمثلة الحديثية:

المثال الأول: في مسألة النية والقصد وتعلق الأعمال بها ورد حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى...» الحديث.

هذا الحديث رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما، فهو صحيح، ومن ثم فرواته ثقات، وهو نصٌّ في مسألة: النية وأن مدار الأعمال عليها.

وعلى ذلك: فشروط التصحيح منطبقة عليه حيث رواه الشيخان.

المثال الثاني: قال الترمذي (1/44 رقم29) كتاب الطهارة، باب تخليل اللحية: حدثنا يحيى بن موسى، حدثنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن عامر ابن شقيق عن أبي وائل عن عثمان بن عفان: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته». قال أبوعيسى هذا حديث حسن صحيح.

فهذا الحديث لم يخرج في الصحيحين لكن نص على التصحيح أحد الأئمة الكبار وهو الإمام الترمذي، ولا معارض له من مثله، فهذا يحتج به.

المثال الثالث: حديث: «كان إذا ودع الجيش قال: أستودعكم الله دينكم، وأمانتكم، وخواتيم أعمالكم».

هذا الحديث أخرجه المحاملي في كتاب الدعاء ص(30)، قال: حدثنا العباس بن محمد، حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي جعفر الخطي، عن محمد بن كعب، عن عبد الله بن يزيد الخطمي، مرفوعًا.

وهذا الإسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات من رجال مسلم غير العباس بن محمد وأبي جعفر الخطمي ـ واسمه عمير بن يزيد ـ وهما ثقتان مترجمان في «التهذيب».

وعبد الله بن يزيد الخطمي صحابي صغير، له في مسند أحمد (4/307) حديثان. ينظر: السلسلة الصحيحة (4/179).

فهذا حديث لم يخرج في الصحيحين ولم ينص أحد من الأئمة المتقدمين على تصحيحه، لكنه نظر الشيخ الألباني رحمه الله في إسناده فوجده صحيحًا بمعنى أن شروط الحديث الصحيح منطبقة عليه ولم يضعفه أحد فهو حديث يحتج به ويعمل به.

المثال الرابع: حديث «الرجل أحق بصدر دابته وصدر فراشه وأن يؤم في رحله».

أخرجه الدارمي (2/285)، والبزار (55 ـ زوائده) والطبراني في «الكبير» و«الأوسط» (رقم ـ 900) مختصرًا من طريق إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن المسيب بن رافع ومعبد بن خالد، عن عبد الله بن يزيد الخطي ـ وكان أميرًا على الكوفة قال: «أتينا قيس بن سعد بن عبادة في بيته، فأذن المؤذن للصلاة، وقلنا لقيس: قم فصل لنا، فقال: لم أكن لأصلي بقوم لست عليهم بأمير، فقال رجل يقال له عبد الله بن حنظلة الغسيل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فذكره»، فقال قيس بن سعد عند ذلك: يا فلان ـ لمولى له ـ: «قم فصل لهم» قال الهيثمي في «المجمع» (2/65): فيه إسحاق بن يحيى بن طلحة ضعفه أحمد وابن معين والبخاري، ووثقه يعقوب بن شيبة وابن حبان».

قال الألباني: قلت: فمثله يستشهد به ويتقوى حديثه بغيره، وقد جاء حديثه هذا مفرقًا، فالجملة الأولى منه أخرجها أحمد (5/353) والطبراني في «الأوسط» (7601) وغيره، من حديث بريدة نحوه، وإسناده صحيح، وأخرجها أحمد أيضًا (3/32) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا به، وزاد: «وأحق بمجلسه إذا رجع». وفيه إسماعيل بن رافع وهو ضعيف. وساتره جاء معناه في حديث أبي مسعود البدري مرفوعًا: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله.. ولا تؤمن الرجل في أهله ولا في سلطانه، ولا تجلس على تكرمته في بيته إلا أن يأذن لك» أخرجه مسلم (2/133 ـ 134) رقم(673) كتاب المساجد، باب من أحق بالإمامة.

فهذا حديث ضعيف الإسناد لكن ضعفه ينجبر، فقد جاء من طرق أخرى فتقوى، وهذا أيضًا يحتج به لأن ارتقى إلى الحسن لغيره، ومعناه صحيح جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله.

المثال الخامس: «من حفظ على أمتي أربعين حديثًا كتب فقيهًا».

رواه الحسن بن سفيان في مسنده وفي أربعينه من حديث ابن عباس وروي من رواية ثلاثة عشر من الصحابة أخرجها ابن الجوزي في العلل المتناهية وبين ضعفها كلها، وأفرد ابن المنذر الكلام عليه في جزء.

وأورده البيهقي في الأربعين الصغرى (1/22)، شعب الإيمان ـ (3/239) (1596) وضعفه فقال: ومما يدخل في معناها ما روي بأسانيد واهية وأورده الدينوري في المجالسة وجواهر العلم (7/164رقم 3070).

ينظر: العلل المتناهية (1/119 ـ 120) فقد أورد له ابن الجوزي طرقًا كثيرة وضعفها جميعًا.

وهذا حديث مشهور لكنه ضعيف، وباق على ضعفه كما نص على ذلك الأئمة، ولكن استأنس به بعض الأئمة لكثرة طرقه وعليه فلا ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

المثال السادس: ما رُوي في مقدار الدنيا: (أنها سبعة آلاف سنة ونحن في الألف السابعة).

وعند التأمل فيه نجد أنه لم يروه أصحاب الصحيح، ولا نص أحد من الأئمة على صحته، وليس له إسناد. بل هو مخالف لصريح القرآن الكريم في قوله تعالى: âيَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ á [الأعراف: 187].

ولذا لا يجوز الاستدلال بهذا الحديث على مقدار الدنيا، وقد قال عنه الإمام ابن القيم: (وهذا من أبين الكذب).