بحث عن بحث

 

طوق النجاة: اتباع رسول الله

إذا كانت النبوات – كما تقدم – نعمة، والرسالات رحمة، فإن خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم هو نعمة النعم وعين الرحمة، قال تعالى:  (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [ الأنبياء /107 ]. وسيرته العطرة هي المثال الحي، والتطبيق العملي، والنموذج الواقعي للاستقامة على منهج الله وفق مراد الله.

وقد عبرت عن ذلك أدق تعبير أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن خلقه صلى الله عليه وسلم، فقالت: (إن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن)(1).

أي إنه صلى الله عليه وسلم كان نموذجا حيا للفضائل والأخلاق التي دعا إليها القرآن فإذا كان الإسلام يدعو إلى العدل، ويجعله إحدى قيمة العليا، ومبادئه الأساسية، ويقاوم الظلم بكل صوره، فإن حياة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته مثال ناطق لتحقيق العدل في جميع المجالات: العدل مع النفس، والعدل مع الأسرة، والعدل مع الأقارب، والعدل مع الأصدقاء، والعدل مع الأعداء، وهكذا كل ما يمكن من صور العدل ومظاهره، والأمثلة التطبيقية لهذه الأنواع من العدل موفورة في سيرته صلى الله عليه وسلم، وستأتي معنا فيما بعد إن شاء الله تعالى.

وإذا كان الإسلام يدعو إلى الشورى، بوصفها أساساً من أسس الحياة الاجتماعية والسياسية في الإسلام، فإن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي وسيلة الإيضاح لتطبيق هذا المبدأ الجليل، كما يلمس ذلك الدارس لغزوات مثل: بدر وأحد وخيبر وغيرها.

وقس على ذلك كل الفضائل الخلقية مثل: الصدق، والأمانة، والوفاء، والصبر، والسخاء، والشجاعة، والرحمة وغيرها، فإن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي التطبيق الرائع لهذه الأخلاق.

وهكذا كل المبادئ والمعاني والقيم التي جاء بها الإسلام تتجلى في حياته صلى الله عليه وسلم.(2)

ومن أجل ذلك كان صلى الله عليه وسلم أسوة، وكان قدوة، وكان على خلق عظيم وصدق الله العظيم، إذ يقول: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [ سورة القلم/ 4]

يقول ابن عباس في تفسير هذه الآية: (لعلى دين عظيم، لا دين أحب إلي، ولا أرضى عندي منه وهو دين الإسلام)(3).

وهذا ما  حدا بابن القيم أن يقول: (الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق، زاد عليك في الدين).

إذا كان هذا شأنه صلى الله عليه وسلم وشأنه سيرته، فإن دراسة السيرة تصبح من الأهمية بمكان كبير، ذلك أنها تبصير بمنهج الله تعالى، ثم هي أيضا منجاة من أمواج الشهوات والأهواء التي تعبث ببني البشر اليوم.

إن سعادة الأمم والأفراد، والشرق والغرب، والأولين والآخرين، منوطة بالإيمان برسالته صلى الله عليه وسلم، والاهتداء بسيرته، والتمسك بسننه، والالتفاف حول دينه، ومن اتجه عنه إلى الشرق أو الغرب، وآوى إلى (جبل) فلن يعود إلا بالويل، ولن ينال إلا الشقاء، ولن يستقبله إلا البلاء، ولن يظلم إلا نفسه.

وهذا كتاب في السيرة النبوية، يرتكز في بنيانه على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، منهما يغترف، وإليهما يعود، ولن أهمل الاستفادة من كتب التاريخ والسير قديمها وحديثها، بعد البحث والتمحيص والتحقيق، والموازنة بين الروايات، والأخذ بما يصلح للاحتجاج منها، وترك ما عداه.

ولن اقصر دراستي في السيرة النبوية على السرد التاريخي فحسب كما صنع معظم المتقدمين، وبعض المتأخرين، ولا على التعليق على مواقف السيرة أوجلها، مع إغفال الهيكل الأصلي، أو الجانب التاريخي كما صنع بعض المحدثين، وإنما جمعت بين الحسنين، الهيكل التاريخي مع تحري الحقيقة، والتعليق على المواقف، وانتزاع العبر النافعة، والدروس المفيدة منها.

ولن أترك حدثا مهما، أو موقعة فاصلة، أو سرية مهمة، أو عملا بارعا، أو سياسة راشدة، أو قيادة حكيمة، أو أي تصرف كريم للنبي صلى الله عليه وسلم أو لأحد أصحابه، إلا أقف عنده، أو عندها وقفة أو وقفات، ليتبين للقارئ فرق بين الأخلاق المحمدية، وسياساته الحكيمة الرشيدة في السلم والحرب، ومع الأصدقاء، ومع الأعداء، مهما بلغ ذلك الغير من العقل، والعلم، والكياسة، والسياسة، والقيادة، والعدل، والرحمة، لكي أخلص من ذلك إلى الفرق البعيد ما بين النبوة، وغير النبوة، والبشر الرسول، وغير الرسول.

وفي الحق أن المُحدَثين في باب التحليل، والتعليق، والموازنة بين المواقف قد أربوا في ذلك على المتقدمين، وأكسبوا السيرة جدة ورواء، وقد تفاوتوا في ذلك على حسب تفاوتهم في المواهب، وسعة العلم والأفق، والاطلاع على سير الآخرين.

والله أسال أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، وأن يرزقني شفاعة نبيه العظيم، وأن يحشرني في زمرته وصحبته (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً) [ النساء /69 ].

 


 


         (1)      أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل، رقم (1739).
(2)
     انظر ثقافة الداعية ص 57.
(3)
     تفسير القرآن العظيم لابن كثير  (4/402).