بحث عن بحث

علاقة السيرة بالتاريخ

 

التاريخ فعله (أرَخَ) يقال : أرَّخ الكتاب : حدد تاريخه ، وأرخ الحادث ونحوه : فصل تاريخه وحدد وقته (1).

والتاريخ: فن يبحث فيه عن وقائع الزمان من حيثية التعيين والتوقيت ، بل عما كان في العالم ، وموضوعه: الإنسان والزمان (2).

ومن خلال هذا التعريف للتاريخ تتضح علاقة السيرة به وأنها علاقة وثيقة، إذ تمثل السيرة حقبة معينة من هذا التاريخ، فعلاقتها إذا بالتاريخ علاقة الجزء بالكل .

فكتب التاريخ هي المؤلفات التي تهتم بسرد وقائع الأمم والدول والأخبار البشرية من لدن خلق آدم عليه السلام – غالباً – إلى عصر المصنف .

أما كتب السيرة النبوية فهي قاصرة على حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يتصل بها من أحداث وأحوال.

وتفترق السيرة عن التاريخ في أن موضوعها لا يستقيم بغير الإسناد الذي بمثله يقبل الحديث ، ومن ثم وجب التحري في إثبات أحداثها، ولا ينبغي للمؤرخ الذي يعني بالسيرة أن يقحم نزعته الذاتية أو اتجاهه الفكري والديني أو السياسي في تفسير الأحداث وتعليلها .

يقول الدكتور البوطي : (كُتَّاب السيرة وعلماؤها، لم تكن وظيفتهم بصدد أحداث السيرة ، إلا تثبيت ما هو ثابت منها ، بمقياس علمي يتمثل في قواعد مصطلح الحديث المتعلقة بكل من السند والمتن ، وفي قواعد الجرح والتعديل المتعلقة بالرواة وتراجمهم وأحوالهم) .

فإذا انتهت بهم هذه القواعد العلمية إلى أخبار ووقائع ، وقفوا عندها ، ودونوها ، دون أن يقحموا تصوراتهم الفكرية ، أو انطباعاتهم النفسية ، أو مألوفاتهم البيئية ، إلى شيء من تلك الوقائع بأي تلاعب أو تحوير .

لقد كانوا يرون أن الحادثة التاريخية التي يتم الوصول إلى معرفتها، ضمن نفق من هذه القواعد العلمية التي تتسم بمنتهى الدقة ، حقيقة مقدسة، يجب أن تجلي أمام الأبصار والبصائر كما هي ، كما كانوا يرون أن من الخيانة التي لا تغتفر أن ينصب من التحليلات الشخصية والرغبات النفسية التي هي في الغالب من انعكاسات البيئة ، ومن ثمار العصبية ، حاكم مسلط يستبعد منها ما يشاء ويحور فيها كما يريد .

لقد كان العمل التاريخي إذن بالنسبة إلى هذه السلسلة من سيرته صلى الله عليه  وسلم ، ينحصر في نقلها إلينا محفوظة مكلوءة ، ضمن تلك الوقاية العلمية التي من شأنها ضبط الرواية من حيث الإسناد واتصاله ، ومن حيث الرجال وتراجمهم ، ومن حيث المتن أو الحادثة وما قد يطوف بها من شذوذ ونحوه .

أما عملية استنباط النتائج والأحكام والمبادئ والمعاني من هذه الأخبار (بعد القبول التام لها) فعمل علمي آخر منضبط بأسس وقواعد أخرى ، تقوم ضمن قالب علمي يقصيها عن سلطان الوهم وشهوة الإرادة النفسية (3).

 

السيرة النبوية والمذهب الذاتي في كتابة التاريخ

في القرن التاسع عشر ظهرت طرائق كثيرة متنوعة في كتابة التاريخ وتدوينه ، منها المذهب الذاتي ، ويعد (فرويد) من أكبر الدعاة إليه والمتحمسين له .

ولا يرى أقطاب هذا المذهب من ضير في أن يقحم المؤرخ نزعته الذاتية أو اتجاهه الفكري والديني أو السياسي ، في تفسير الأحداث وتعليلها والحكم على أبطالها... بل إنهم يرون أن هذا هو واجب المؤرخ ، لا مجرد وصف الأخبار وتجميع الوقائع العارية .

وهذا المذهب الجديد في كتابة التاريخ قد أصبح أساساً لمدرسة جديدة في دراسة السيرة النبوية وفهمها عند طائفة من الباحثين والذين تصوروا أن الغرب لم يتحرر من أغلاله ، إلا يوم أخضع الدين لمقاييس العلم ... فالدين شيء والعلم شيء أخر ، ولا يتم التوفيق بينهما إلا بإخضاع الأول للثاني ، وإذا كان العالم الإسلامي حريصا حقا على مثل هذا التحرر فلا مناص من أن يسلك الطريق ذاته ، وأن يفهم الإسلام هنا ، كما فهم الغرب النصرانية هناك ، ولا يتحقق ذلك إلا بتخلص الفكر الإسلامي من سائر الغيبيات التي لا تفهم ولا تخضع لمقاييس العلم الحديث .

فكان أن قاموا بما أسمى فيما بعد بالإصلاح الديني ، واقتضى منهم ذلك أموراً عديدة ، منها تطوير كتابة السيرة النبوية وفهمها ، واعتماد منهج جديد في تحليلها، يتفق وما قصدوا إليه من الإعراض عن كل ما يدخل في نطاق الغيبيات والخوارق التي لا يقف العلم الحديث منها موقف فهم أو قبول .

وبدأت تظهر كتب وكتابات في السيرة النبوية ، تستبدل بميزان الرواية والسند ، وقواعد التحديث وشروطه ، طريقة الاستنتاج الشخصي ، وميزان الرضا النفسي ، ومنهج التوسم الذي لا يضبطه شيء إلا دوافع الرغبة ، وكوامن الأغراض والمذاهب التي يضمرها المؤلف .

واعتماداً على هذه الطريقة أخذ يستبعد هؤلاء الكاتبون ، كل ما قد يخالف المألوف ، مما يدخل في باب المعجزات والخوارق ، من سيرته صلى الله عليه وسلم ، وراحوا يروجون له : صفة العبقرية والعظمة والبطولة وما شاكلها، شغلا للقارئ بها عن صفات قد تجره إلى غير المألوف من النبوة والوحي والرسالة ونحوها مما يشكل المقومات الأولى لشخصية النبي صلى الله عليه وسلم .

ويعد كتاب (حياة محمد) لحسين هيكل أبرز نموذج لهذا الاتجاه في كتابة السيرة النبوية ، ويعبر مؤلفه عن اتجاهه هذا بصراحة وفخر عندما يقول : (إنني لم آخذ بما سجلته كتب السيرة والحديث لأنني فضلت أن أجرى في هذا البحث على الطريقة العلمية)(4).

ومن نماذج هذه الطريقة الحديثة في كتابة السيرة وفهمها ، تلك المقالات المتتابعة التي نشرها المرحوم محمد فريد وجدي في مجلة نور الإسلام تحت عنوان : (السيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة)، والتي يقول في بعض منها :

(وقد لاحظ قراؤنا أننا نحرص فيما نكتبه في هذه السيرة ، على ألا نسرف في كل ناحية إلى ناحية الإعجاز ، ما دام يمكن تعليلها بالأسباب العادية حتى ولو بشيء من التكلف).

ومن نماذج هذه الطريقة أيضا تلك الكتابات الكثيرة التي ظهرت لطائفة من المستشرقين عن حياة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في نطاق أعمالهم وكتاباتهم التاريخية التي قامت على المنهج الذاتي الذي ألمحنا إليه آنفا.

إنك لتراهم يمجدون شخص محمد صلى الله عليه وسلم ، وينوهون بعظمته وصفاته الحميدة، ولكن بعيدا عن كل ما قد ينبه القارئ إلى شيء من معنى النبوة أو الوحي في حياته، وبعيدا عن الاهتمام بالأسانيد والروايات التي قد يضطرهم الأخذ بها إلى اليقين بأحداث ووقائع ليس من صالحهم اعتمادها أو الاهتمام بها.

وهكذا وجد أبطال هذه المدرسة الجديدة في إتباع المذهب الذاتي في كتابة التاريخ الميدان الفسيح الذي يمكنهم من نبذ كل مالا يعجبهم من حقائق السيرة النبوية مهما جاءت مدعومة بدلائل العلم واليقين ، متخذين من ميولهم النفسية ، ورغباتهم الشخصية، وأهدافهم البعيدة ، حاكما مطلقا على حقائق التاريخ وتحليل ما وراءه من العوامل ، وحكما مطلقا لقبول ما ينبغي قبوله ورفض ما يجب رفضه.

لقد رأينا – مثلا – أن كل خارقة قد جاء بها متواتر السنة ، وربما صريح القرآن تؤول ، ولو بتكلف وتمحل ، بما يعيدها إلى الوفاق مع المألوف ، وبما يجعلها تنسجم مع الغرض المطلوب.

فطير الأبابيل يؤول – على الرغم من أنف الآية الصريحة الواضحة – بداء الجدري.

والإسراء الذي جاء به صريح القرآن ، يحمل على سياحة الروح وعالم الرؤى.

والملائكة الذين أمد الله المسلمين بهم في غزوة بدر يؤولون بالدعم المعنوي الذي أكرمهم الله به ...

وآخر المضحكات العجيبة التي جاءت على هذا الطريق ، تفسير النبوة في حياة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيمان الصحابة به وعموم الفتح الإسلامي، بأن جميعه لم يكن إلا ثورة يسار ضد يمين ، أثارتها النوازع الاقتصادية انتجاعا للرزق وطلبا للتوسع، وألهبتها ردود الفعل لدى الفقراء ضد الأغنياء وأصحاب الإقطاع.

وبعد فقد كانت هذه الطريقة في دراسة السيرة النبوية خصوصاً ، والتاريخ الإسلامي عموما ، مكيدة خطيرة عشيت عن رؤيتها أعين البسطاء من بعض المسلمين ، وصادفت هوى وقبولا حسنا عند طائفة أخرى من المنافقين وأصحاب الأهواء.

لقد غاب عن أعين أولئك البسطاء، أن ذلك الهمس الاستعماري الذي يدعو المسلمين إلى ما أسموه بثورة إصلاحية في شئون العقيدة الإسلامية ، إنما قصد في الحقيقة نسف هذه العقيدة من جذورها.

وغاب عنهم أن تفريغ الإسلام من حقائقه الغيبية ، إنما يعني حشوه بمنجزات ناسفة تحيله أثراً بعد عين ، ذلك لأن الوحي الإلهي – وهو ينبوع الإسلام ومصدره – يعد قمة الخوارق والحقائق الغيبية كلها، ولا ريب بأن الذي يسرع إلى رفض ما قد جاء في السيرة النبوية من خوارق العادات ، بحجة اختلافها عن مقتضى سنن الطبيعة ومدارك العلم الحديث، يكون أسرع إلى رفض الوحي الإلهي كله بما يتبعه ويتضمنه من إخباراته عن النشور والحساب والجنة والنار بالحجة الطبيعية ذاتها .

كما غاب عنهم أن الدين الصالح في ذاته لا يحتاج في عصر ما إلى مصلح يتدارك شأنه، أو إصلاح يغير من جوهره(5).

إن حرص هؤلاء الكتاب على نقل كل جديد ، والجري وراء كل طريف براق كان سببا في زلزلة إيمان الشرق ، وحيرة وجدانه ، وغزو عقله وقلبه ، بما أخذ عليه المسالك ، فأضل الشرقيون أنفسهم ، فإذا هم أجساد تنبض بقلوب الغرب وتفكر بعقوله ، وإذا هم مستسلمون لكل ما تطلع به أوربا ، منقادون لكل ما تأمرهم به ، متهافتون على كل ما اتصل بها ، ثم إذا هم أذلاء مقلدون ، يحقرون أنفسهم وآباءهم وميراث حضارتهم وتاريخهم ، وذلك أشر حال وأسوأ موقف ، وعلينا أن نحسن التفكير في الذي نأخذه من الغرب والذي ندعه ، فإذا أحسنا التفكير عرفنا فرق ما بين الصناعات والأخلاق والعادات ، فلنأخذ من أوربا علومها الطبيعية ونتائجها، ولنتجنب أخلاقها وآدابها، فإنه لا فرق بين الحساب والهندسة والكيمياء في الشرق والغرب، ولكن شتان ما بينهما في العقائد والخلق وسنن الاجتماع وما يتصل بذلك، فإنه لكل أمة من أخلاقها وآدابها ثوبا حاكته القرون وعملت فيه الأجيال ، فليس يصلح لغيرها، ولا يصلح لها غيره .

وليدرك الذين يتناولون الإسلام بفكر الغرب وعقله خطورة ما يقومون به ، وإنهم بعملهم هذا يهدمون ولا يبنون ، ويخربون ولا يعمرون .

قال ابن عبدالبر : ( أهل البدع أجمع أضربوا عن السنن ، وتأولوا الكتاب على غير ما بينت السنة ، فضلوا وأضلوا ) (6).

فنعوذ بالله من العجب بالرأي ، أو الكلام في دين الله بغير حجة من الوحي، وكم أخر المسلمين اليوم كثرة الكلام واضمحلال العمل ، فحولوا الإسلام في كثير من حياتهم إلى كلام وفلسفة وجدل ، والتاريخ يشهد على سفاهة من مضي على هذا السبيل عبر الزمان ،وجزي الله القائل :

لقد  قرأنا السجـلات  التي كتبـوا
فـمـا رأينا صلاحًـا فـي  أئمتهم
جاؤوا إلينا بعـقـلانية  سقـطـت
فـظـن أصحابها أن  الضلال  هدى
إذا  أخـذنـا بدعوى  كل   مبتدع
قوم  تسيرهم  أهواؤهـم   وبـهـم
يـا حائـدين عن الإسلام  أسكركم
سلوا رجال الحديث المخلصيـن ومن
هـل جاء  في ديننا معنى يعـارضـه
وهل  يـعد  لدينا  عـالـمـاً فطنا
يا  مقلة  الوحي  ما  أمعنت  فـي لهو
إن  كنت  واجهت  عقلانية مكـثت
فنحن نشـقى بعلمانية يـدها ممدودة
تـشابه  القوم  في التضليل واجتمعوا
إذا أخذنـا بدعـوى كـل مبتدع

 

 

فيما مضـى والأفاعيل التي فعلوا
ولا رأيناه في النسل الـذي نسلوا
عمادها سفسطات القول  والجدل
وأن نـملتهم في  دربها  جـمـل
فأين يذهب ما جاءت به  الـرُّسل
تشقى قلوب وتأتي منهم الـعـلل
لهو وأعماكم عن  ديننا الخـجـل
تحروا الصدق في كل الـذي نقلوا
عقل  سليم   من   الآفات  معتدل
من  يكتم  الحق  مختاراً  وينعـزل
إلا وحركت جرحا كاد يـندمـل
ثير  فـي الناس  أوهامـاً  وتفتعل
ولـها فـي عـصـرنا كـتـل
عـلى التنكر للوحيين واتـصـلوا
فـأين  يذهب ما جاءت به الرسل

 


 


(1)    المعجم الوسيط ( 1/13).

(2)    الإعلان التوبيخ لمن ذم التاريخ للسخاوي ص 7.

(3)    فقه السيرة للدكتور محمد سعيد رمضان البوطبي ص 20 بتصرف.

(4)    حياة محمد ص 16، 17، 20.

(5)    انظر : فقه السيرة للبوطي ص 21-25.

(6)    جامع بيان العلم ( 2/193 ).