بحث عن بحث

أهمية السيرة وبواعث دراستها (1-12)

 

إن للسيرة النبوية أهمية كبيرة في حياة المسلمين، رجالاً كانوا أو نساءً، صغاراً كانوا أو كباراً، ذلك أن التحقق الكامل بعقيدة (أن محمداً رسول الله) منوط بها، ومتوقف عليها، فضلاً عن بواعث أخرى عديدة تفرض نفسها فرضا على المرء المسلم لدراسة سيرة نبيه دراسة متأنية مستوعبة لكل جوانب العظمة فيها، وهذه البواعث هي :

1- الإيمان به صلى الله عليه وسلم :

إن الإيمان بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ركن من أركان الإيمان، وفرض من فروض الدين لا ينعقد إيمان المرء ولا يتم دينه إلا به، قال تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً، لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) [ سورة الفتح / 8-9 ] .

ويحدد ربنا في موضع آخر من كتابه مراده من المرسل إليهم تجاه من أرسله، إنه الإيمان به ومؤازرته في دعوته واتباع سبيله، وأن ذلك سبيل تحصيل الهداية وإدراك الفلاح ونيل الأجر الكبير، فيقول تعالى: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [سورة الأعراف /157، 158].

ويقول تعالى : (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ)[سورة الحديد /7]  ويقول تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [سورة التغابن /8].

وإذا كانت الآيات السابقة تخاطب الناس كافة والخلق جميعا، فهناك آيات أخرى خصت المؤمنين بالخطاب وألزمتهم بنفس المراد، حيث يقول تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً) . [سورة النساء /136] .

ووصف المخاطبين في هذه الآية بأنهم آمنوا، وإردافه بأمرهم بالإيمان يشعر أن الأمر إنما هو بتحصيل الحاصل، لكننا إذا تبينا أن الأمر قد يقصد به ثبات المأمور ودوامه على ما هو عليه والازدياد منه، وضحت دلالة الأمر في هذه الآية، وأنها الثبات والاستمرار والزيادة .

يقول أصحاب التفسير الوسيط : " الخطاب في الآية – للمؤمنين كافة، والمراد من قوله: (آمِنُوا) استمروا، أو اثبتوا على إيمانكم بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله ... "(1).

ويقول الشيخ المراغي : (وقيل إن الخطاب فيها للمؤمنين كافة، والمعنى ازدادوا في الإيمان طمأنينة ويقينا وآمنوا برسوله خاتم النبيين وبالقرآن الذي نزل عليه وبالكتب التي نزلها على رسله من قبله، فإنه لم يترك عباده في زمن ما محرومين من البينات والهدى)(2).

 

ويقول تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [سورة الحديد/ 28] .

 

ومعنى إيتاء المؤمنين من أهل ملة الإسلام كفلين من الأجر : أن لهم مثل أجرى من آمن من أهل الكتاب.

ويشرح هذا حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري الذي فيه (مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر أجراء يعملون له، فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط، وعملت النصارى من الظهر إلى العصر على قيراط، ثم عمل المسلمون من العصر إلى الغروب على قيراطين، قال فيه : واستكملوا أجر الفريقين كليهما)(3) أي استكملوا مثل أجر الفريقين، أي أخذوا ضعف كل فريق "(4).


 


(1)     التفسير الوسيط 2/ 938.

(2)     تفسير المراغي 5/ 180.

(3)     الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإجارة، باب الإجارة إلى نصف النهار 4/521 من حديث ابن عمر، وفي نفس الكتاب، باب الإجارة إلى صلاة العصر 4/522 من حديث عمر رضي الله عنه، ولفظة : " إنما مثلكم واليهود والنصارى كرجل استعمل عمالاً، فقال : من يعمل إلى نصف النهار على قيراط قيراط ؟ فعملت اليهود على قيراط قيراط ثم عملت النصارى على قيراط، ثم أنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغارب الشمس على قيراطين قيراطين، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا : نحن أكثر عملاً وأقل عطاء قال : هل ظلمتكم من حقكم شيئا ؟ قالوا لا، قال فذلك فضلي أؤتيه من أشاء " وأخرجه البخاري أيضا من حديث أبي موسى والذي أشار إليه صاحب التحرير، كتاب الإجارة، باب الإجارة من العصر إلى الليل 4/523.

(4)     التحرير والتنوير 27/ 427-248.