بحث عن بحث

أهمية السيرة وبواعث دراستها (2 - 12 )

 

وليس أمر الإيمان به صلى الله عليه وسلم قاصرا على الإنس فقط، بل يتعدي ليشمل الجن أيضا لأنه صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الجن والإنس، قال تعالى : (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً)[ سورة الفرقان /1].

 

وقال عز وجل متحدثا عن استقبال الجن لرسالته : (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ. يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [ سورة الأحقاف /29-30].

 

وإذا كان هذا شأن الجن في إنصاتهم للداعي وتلبيتهم للدعوة وتحذيرهم للغير من عدم الإيمان به والاستجابة له، فعلى الإنس أن يسابقوهم في هذا المضمار وأن يسارعوا إلى الإيمان به والاستجابة له، لاسيما وقد رهن الله الحياة الكريمة الآمنة بالاستجابة له، وذلك حيث يقول تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)[ سورة الأنفال /204].

 

روى الدرامي بسنده من حديث ربيعة الجرشي قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له : لتنم عينك، ولتسمع أذنك، وليعقل قلبك، فنامت عيني، وسمعت أذني، وعقل قلبي، قال : فقيل لي : سيد بني داراً، فصنع مأدبة، وأرسل داعيا، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ورضي عنه السيد، ومن لم يجب الداعي، لم يدخل الدار، ولم يطعم من المأدبة، وسخط عليه السيد، قال : فالله السيد، ومحمد الداعي، والدار الإسلام، والمأدبة الجنة "(1).

فمن أجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام حظي برضوان الله عز وجل، ومن حظي برضوان عز وجل كافأه بجنة عرضها السماوات والأرض، نسأل الله أن ننعم بنعيمها.

وإذا كان ما مر هو أمر الله إلى الإنس والجن، فإن الإيمان به صلى الله عليه وسلم لا يقتصر على سائر الناس دون الأنبياء والرسل، بل يشملهم جميعا،فإنهم مطالبون بالإيمان به صلى الله عليه وسلم ونصرته إن أدركوه ولحقوه، قال تعالى : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) [ سورة آل عمران /81 ].

قال علي بن أبي طالب وابن عمه ابن عباس رضي الله عنهما : (ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمدا وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه)(2).

وإذا كان الأنبياء لم يدركوه حتى يؤمنوا به وينصروه فقد بشروا أممهم بمجيئه وأعلموهم بأوصافه ونعوته حتى يؤمنوا به وينصروه فيتحقق للأتباع ما لم يتمكن منه المتبوعون، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار)(3).

وإذا كان الإيمان به صلى الله عليه وسلم فرضا من فروض الدين وركنا من أركان الإيمان، فلابد أن يقوم هذا الإيمان على الإقناع العقلي ممتزجا باليقين الوجداني، وكلاهما لا يقوم ولا يتحقق إلا بعد التعرف على سيرته والوقوف على صفاته ودعوته، والعلم بأحواله وأخباره، ومن هنا تأتي فرضية دراسة السيرة   النبوية.

يقول أحد الباحثين : (إن المسلم كل المسلم لا يكمل إيمانه، ولا يحيا  وجدانه، ولا يرجى خيره وإحسانه لنفسه ولأهله ولأوطانه، إلا إذا عرف سيرة رسوله المصطفى ونبيه المجتبي جملة أو تفصيلا، ثم تأسي بما علمه منها في سلوكه وأخلاقه، لأن المسلم العالم مهما بلغ من العلم بغير الاستنارة بهدي النبي وسنته يكون كالتائه الذي يتخبط في دياجير الظلمات)(4).

ومن أجل ذلك أيضا حض القرآن الكريم الناس على العلم برسول الله والتفكر في أمره لتكون العقيدة فيه راسخة، والإيمان به ثابتا، يقول تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ )[ سورة الحجرات /7 ].

ويقول تعالى : (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ) [ سورة سبأ /46 ].

إن القرآن الكريم يريد أن تكون العقيدة فيه صلى الله عليه وسلم مبنية على المعرفة الكاملة والاقتناع التام، حتى لا تخرم هذه العقيدة الشبهات، ولا تهددها الشكوك بل يطمئن بها القلب ويسكن بها الفؤاد، وتكون للضمير مناره الذي يهديه سواء السبيل، وللإرادة قوتها النازعة الوازعة، عن أمرها يصدر صاحبها في حركاته وسكناته، ونحو أهدافها يتوجه في أقواله وأعماله، يتلقي دائما وحيها ويستلهمه، ويتوخى إرشادها ويترسمه، فإذا أصبح ذلك دأبه وديدنه صغرت في عينيه الدنيا وزينتها، وتضاءلت في نفسه نوازع الهوى وحاجات الجبلة، فلا يفكر في مطالب شخصه إلا لماما، ولم يركن إلى الدعة واللهو إلا استجماما، على أنه حين يلم بشيء من ذلك فإنما يتناوله باسم العقيدة والمبدأ، وعلى النحو الذي ترسمه له العقيدة والمبدأ، استعانة على الحق وتقويا على الجد.

أولئك حقا هم أصحاب العقائد والمبادئ الذين فنيت أشخاصهم في عقائدهم، وانمحت أهواؤهم في مبادئهم، وأصبحوا كأنهم عقائد متجسدة، ومبادئ ماثلة تمشي في الناس. (أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ، فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً)     [ سورة الحجرات 7-8].


 


(1)       سنن الدرامي، المقدمة، باب ما كان عليه الناس قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم 1/18، ورواه الطبراني أيضا وسنده جيد كما في الفتح 13/ 356، ومجمع الزوائد 8/ 260 وأصل الحديث في صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم (7281) من حديث جابر بن عبدالله.

(2)       تفسير ابن كثير 1/ 378.

(3)       الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا إلى جميع الناس.  

(4)       سيرة الرسول ومعالمها من القرآن الكريم والسنة المطهرة لمحمد إسماعيل إبراهيم ص 9ط : دار الفكر العربي.