بحث عن بحث

أهمية السيرة وبواعث دراستها (4 - 12 )

 

والحب: هو الميل إلى الشيء، وهو قسمان:

 قسم فطري يغرسه الله تعالى في القلب بأسباب أو بدون أسباب، ومثل هذا الحب لا سلطان لصاحبه عليه، إلا أن يعبر عنه فيحاسب عليه، فأصل العاطفة لا يحاسب صاحبها عليها، أما إذا عبر عن هذا الميل فإنه يملك هذا التعبير فيحاسب عليه، مثل من تزوج بامرأتين فأحب إحداهما أكثر من الأخرى، فإن اقتصر الأمر على الميل فقط فهو لا يحاسب، أما إذا فضل من يحبها على غيرها في الكسوة والطعام والمبيت ونحوه فهو يحاسب على ذلك.

وقسم منه كسبي يأتي بتوافر دواعيه وأسبابه، كأن يكثر المرء من التفكير في شيء ما، أو يديم النظر إليه، أو يتمعن في صفاته وأحواله فينشأ عن ذلك ميل قلبي.

والمراد بالحب هنا – الذي يقدم على كل شيء – ليس هو الحب الطبيعي التابع لهوى النفس، فإن محبة الإنسان لنفسه من حيث الطبع أشد من محبته لغيره، ومحبته لولده ووالده أشد من محبته لغيرهما، وهذا الحب فطري لا يستطيع الإنسان دفعه، ولا يؤاخذ الإنسان عليه، بل على العكس، هو مطالب به، وإنما الحب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم – والذي يقدم على كل شيء، هو ذلك الحب العقلي(1).

يقول البيضاوي فيما ينقله عنه ابن حجر: (المراد بالحب هنا الحب العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه، وإن كان على خلاف هوى النفس، كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر منه، ويميل إليه بمقتضى عقله فيهوى تناوله، فإذا تأمل المرء أن الشارع لا يأمر ولا ينهي إلا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص أجل، تمرن على الائتمار بأمره بحيث يصير هواه تبعا له ويلتذ بذلك التذاذا عقليا، إذ الالتذاذ العقلي إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك)(2).

ويقول أستاذنا الدكتور مروان شاهين: لماذا لا ينضم الحب القلبي إلى الحب العقلي في هذه المسألة، إن البعض قد يفهم من هذا الكلام أنه يكتفي بحب الله تعالى ورسوله حبا عقليا، حتى وإن لم يتجه القلب نحو ذلك، لكننا نقول: إنه من الممكن أيضا تدريب العاطفة على الاتجاه نحو ما فيه الخير والفلاح، والعصمة من التردي في براثن الهوى والمعصية، ومن هنا لم يقبل الله تعالى أن يجد المؤمنون في نفوسهم حرجا من قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [ سورة النساء /65 ].

وأسقط الله تعالى عنهم الاختيار حين يكون هناك حكم لله تعالى أو لرسوله صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) [ سورة الأحزاب /36 ].

إننا نعلن أن قياس العواطف قياس غير دقيق، فقد يحب الإنسان الشيء وفيه ضرر له، ويكره الخير وفيه نفع له، قال سبحانه: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [ سورة البقرة /216].

إذن فعلى المؤمن أن يدرب هواه على إتباع هدى القرآن الكريم وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يتحقق فيه قوله النبي صلى الله عليه وسلم(3): (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به)(4).

ويقول الدكتور دراز في نفس المعنى: (وليس معنى المحبة العقلية أن يدرك العقل تلك الكمالات والفضائل في المحبوب ويعتقد عظمته وعلو منزلته وإن لم تشعر النفس بالميل إليه كما مثله (الإمام البيضاوي) بالمريض يميل إلى الدواء بمقتضى عقله وإن كان ينفر منه بطبعه. كلا، فإن من كانت محبته لله ورسوله كمحبته للدواء المر جدير بأن يقال له إن يقال له إنه وجد مرارة الإيمان لا حلاوته، وإنما يجد حلاوة الإيمان من كان هواه في تلك المحبة مناصراً لعقله ومسايرا له جنبا إلى جنب)(5).


 


(1)      زاد المتقين شرح بعض ثلانيات سيد المرسلين ص 7.

(2)      فتح الباري 1/60 وما بعدها.

(3)      زاد المتقين ص 12.

(4)      قال النووي في الأربعين ص 70 رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح، وأخرجه البغوي في شرح السنة ح 1 ( 104 ) وابن أبي عاصم في السنة ( ح 15 ) واستبعد ابن رجب الحنبلي تصحيح هذا الحديث في جامع العلوم والحكم ( ص 574-575 ) .

(4)      المختار من كنوز السنة ص 440.