بحث عن بحث

أهمية السيرة وبواعث دراستها ( 7- 12 )

 

وإذا كان الأمر كذلك، فإن هذه المحبة المشروطة للإيمان الصحيح رهن بمعرفة عظمة النبي صلى الله عليه وسلم قدر ما تطيقه ذات المحب، حيث تكون المحبة على قدر المعرفة.

 

يقول ابن حجر مستنبطا من حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده...) وفي الحديث إيماء إلى فضيلة التفكر، فإن الأحبية المذكورة تعرف به، وذلك أن محبوب الإنسان إما نفسه وإما غيره.

أما نفسه فهو أن يريد دوام بقائها سالمة من الآفات، هذا هو حقيقة المطلوب وأما غيرها فإذا حقق الأمر فيه فإنما هو بسبب تحصيل نفع ما على وجوهه المختلفة حالا ًومآلا.

فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان إما بالمباشرة، وإما بالسبب علم أنه سبب بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي، وعلم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات، فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره، لأن النفع الذي يثير المحبة حاصل منه أكثر من غيره، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك بحسب استحضار ذلك والغفلة عنه، ولا شك أن حظ الصحابة رضي الله عنهم من هذا المعنى أتم لأن هذا ثمرة المعرفة، وهم بها أعلم(1).

وعليه فإنه يتحتم على كل مؤمن دراسة السيرة النبوية، والإلمام بجوانبها، والتفقه في مباحثها، والبصر بأحداثها، وسبر أغوار أسرارها، وجمع همة القلب على التعايش مع مشاهدها، لتثمر هذه الدراسة المعرفة به والحب له صلى الله عليه وسلم.

إن أكبر فيجعه أصيب بها العالم الإسلامي هي فتور هذا الحب المقدس في قلوب المسلمين بسبب بعدهم عن الدين وتعقلهم بالدنيا.

إن الحب ليفجر في النفس الإنسانية عجائب السلوك وغرائب المعاني المقدسة والراقية، ويفجر أيضا معاني التضحية والفداء،وليس شيء يخلص الإنسان من معايبه النفسية والسلوكية مثل الحب.

يقول جلال الدين الرومي: (إن الحب يحول المر حلواً، والتراب تبرا، والكدر صفاء، والألم شفاء، والسجن روضة، والسقم نعمة، والقهر رحمة،وهو الذي يليّن الحديد،ويذيب الحجر،ويبعث الميت وينفخ فيه الحياة، ويسوّد العبد).

(إن جميع المرضى يتمنون البرء من سقمهم، إلا أن مرضى الحب يستزيدون المرض، ويحبون أن يضاعف في ألمهم وحنينهم، لم أر شرابا أحلى من هذا السم، ولم أر صحة أفضل من هذه العلة... إنها علة ولكنها علة تخلص من كل علة، فإذا أصيب بها إنسان لم يصب بمرض قط، إنها صحة الروح،بل روح الصحة، يتمنى أصحاب النعيم أن يشتروها بنعيمهم ورخائهم...)(1).

إن المسلم اليوم لم يعد يتمتع بذلك الإشعاع الذي كان يضيء به –فيما مضى – ظلمات الكفر ودياجير الجاهلية، وبالتالي فقد دوره في قيادة العالم إلى الهدى والرشاد، وهذه خسارة كبرى للمسلم وللعالم لا يعوض عنها ما بلغه العالم من الكشوف والاختراعات والتقدم العلمي والتقني.

إن أمة الإسلام اليوم لا يصلح حالها إلا بما صلح عليه أولها، وذلك بالعودة إلى طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبته واتباع سنته.


 


(1)    فتح الباري 1/76- 77.

(2)    رجال الفكر والدعوة للندوى ص 358-359.