بحث عن بحث

 

أهمية السيرة وبواعث دراستها ( 10- 11 )

3- طاعته صلى الله عليه وسلم:

إن طاعته صلى الله عليه وسلم، والاستجابة له فرض، وهذا فرع الباعثين السابقين قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ) [سورة الأنفال /20-21].

فالطاعة واجبة على المؤمنين لله ورسوله، وقوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) إشارة إلى تلازم الطاعتين، وتداوم الحالتين، فمن أطاع الله فقد أطاع الرسول، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله، فلا تصح طاعة أحدهما دون الآخر.

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) [سورة النساء / 59].

قال ابن القيم في معنى الآية السابقة: (فأمر الله بطاعته وطاعة رسوله وأعاد الفعل إعلاما بأن طاعة الرسول تجب استقلالاً من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقا، سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه، فإنه أوتى الكتاب ومثله معه، ولم يأمر بطاعة أولى الأمر استقلالاً، بل حذف الفعل وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول، إيذانا بأنهم يطاعون تبعا لطاعة الرسول، فمن أمر منهم بطاعة الرسول وجبت طاعته ومن أمر بخلاف ما جاء به الرسول فلا سمع له ولا طاعة)(1).

وقال في التنازع " فردوده إلى الله ورسوله: وقد أجمع الناس أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته "(2).

وقد جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه – أنه قال: ثلاث في القرآن مقرونة بثلاث لا يعتد بواحدة منها دون الأخرى، وهي:

قوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) [سورة التغابن /12].

وقوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) [سورة النساء /36].

وقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) [سورة البقرة /110].

وجعل ربنا من آداب المؤمنين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لا يذهبون مذهبا إلا بإذنه فقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) [سورة النور / 62].

يقول ابن القيم: (فإذا جعل من لوازم الإيمان: أنهم لا يذهبون مذهبا إذا كانوا معه إلا باستئذانه، فأولى أن يكون من لوازمه ألا يذهبوا إلى قول ولا مذهب علمي إلا بعد استئذانه، وإذنه يعرف بدلالة ما جاء به على أنه أذن فيه) (3).

وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم، ليست طاعة هوى واختيار، إن شاء المرء فعل وإن شاء ترك، كلا، وإنما هي طاعة إلزام، وجزء من حقيقة الإيمان، ولهذا قال الله عز وجل: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) [سورة النساء /64]  أي إن طاعة الرسول تكليف رباني وأمر إلهي، وعد الله عليه بجزيل الثواب، وأوعد على تركه بسوء العقاب.

وإذا كنا قررنا سابقا فرضية محبته صلى الله عليه وسلم، فإن الانقياد والطاعة من جنود (الحب) المتطوعة، ومن ثم لما أحب الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل قلوبهم، أطاعوه بكل قواهم، يمثل ذلك خير تمثيل ما قال سعد بن معاذ عن نفسه وعن الأنصار قبل بدر: (إني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم؛ فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك، والله لئن استعرضت بنا هذا البحر خضناه معك)(4).


 


(1)      إعلام الموقعين 1/48.
(2)      إعلام الموقعين 1/49-50.
(3)      إعلام الموقعين 1/85.
(4)      انظر: السيرة لابن هشام (2/253، 256) وطبقات ابن سعد (2/24) ودلائل النبوة لأبي نعيم (2/604) ودلائل النبوة للبيهقي (3/106).