بحث عن بحث

 

أهمية السيرة وبواعث دراستها (11-12)

وكان من شدة طاعتهم له صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم نهى أهل المدينة عن كلام الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، فما كان من الناس إلا أن أطاعوه وأصبحت المدينة لهؤلاء كأنها مدينة الأموات ليس بها داع ولا مجيب، يقول كعب: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، قال: فاجتنبنا الناس، أو قال تغيروا لنا، حتى تنكرت لي نفس الأرض فما هي الأرض التي أعرف، إلى أن قال: حتى إذا طال علي من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة – وهو ابن عمي وأحب الناس إلي –فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيني وتوليت حتى تسورت الجدار.

وكان من طاعته أيضا وهو في موضع عتاب وجفوة أن رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأيته ويقول له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقال: أطلقها أم ماذا أفعل؟ فقال: لا بل اعتزلها فلا تقربنها، فقال لامرأته: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله من هذا الأمر.

وكان من حبة للرسول صلى الله عليه وسلم وإيثاره على كل أحد في الدنيا أن ملك غسان يخطب وده ويستلحقه بنفسه، وتلك محنة عظيمة في حال الجفوة والعتاب، ولكنه يرفض ذلك، قال:(بينما أن أمشي في سوق المدينة إذ نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلني على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له إلى حتى جاءني، فدفع إلى كتابا من ملك غسان – وكنت كاتبا – فقرأته فإذا فيه: أما بعد: فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جافاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت حين قرأتها: وهذه أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرتها)(1).

ومن غرائب الطاعة وسرعة الانقياد ما حدث عند نزول النهي عن الخمر في مجلس شرب، فعن أبي بريدة عن أبيه قال: بينما نحن قعود على شراب لنا ونحن على رملة، ونحن ثلاثة أو أربعة، وعندنا باطية(2) لنا، ونحن نشرب الخمر حلاً، إذ قمت حتى آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه، وقد نزل تحريم الخمر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) – إلى قوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ).فجئت إلى أصحابه فقرأتها عليهم إلى قوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ). قال: وبعض القوم شربته في يده، قد شرب بعضا وبقي بعض في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام، ثم صبوا في باطيتهم فقالوا: انتهينا ربنا، انتهينا ربنا(3).

ومن غرائب الطاعة للرسول وإيثاره على النفس والأهل والعشيرة ما روي عن عبدالله بن عبدالله بن أبي، روي ابن جرير بسنده عن ابن زيد قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن عبدالله بن أبي قال: ألا ترى ما يقول أبوك؟قال: ما يقول بأبي أنت وأمي؟ قال: يقول لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال: فقد صدق والله يا رسول الله، أنت والله الأعز وهو الأذل، أما والله لقد قدمت المدينة يا رسول الله وإن أهل يثرب ليعلمون ما بها أحد أبر مني، ولئن كان يرضي الله ورسوله أن آتيهما برأسه لأتيتهما به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا.

فلما قدموا المدينة قام عبدالله بن عبدالله بن أبي علي بابها بالسيف لأبيه، ثم قال: أنت القائل لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل؟ أما والله لتعرفن العزة لك أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لا يأويك ظله ولا تأويه أبدا إلا بإذن من الله ورسوله، فقال: يا للخزرج، ابني يمنعني بيتي، يا للخزرج ابني يمنعني بيتي !! فقال: والله لا يأويه أبدا، إلا بإذن منه؛ فاجتمع إليه رجال فكلموه فقال: والله لا يدخله إلا بإذن من الله ورسوله، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال:اذهبوا إليه فقولوا له خلَّه ومسكنه.فأتوه فقال: أما إذا جاء أمر النبي صلى الله عليه وسلم فنعم (4).


 


(1)      هذه أجزاء من حديث الثلاثة الذين خلفوا. أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك، رقم (4418) ومسلم، كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، رقم (2769).
(2)      الباطية: ناجود الخمر، وهي إناء عظيم من زجاج تملأ من الشراب وتوضع بين الشراب يغرفون منها ويشربون.
(3)      أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (5/36).
(4)      تفسير الطبري (12/107-108) وإسناده منقطع والحديث له طرق يؤيد بعضها بعضا،وترتقي إلى درجة الحسن لغيره.