بحث عن بحث

 

التأسي به صلى الله عليه وسلم(1-4)

 

إن الله تعالى جعل رسوله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، وألزم كل مسلم أن يسير على هديه، وأن يحذو حذوه، والسيرة تضمن لنا التعرف على ذلك من حياته صلى الله عليه وسلم، فهي السجل الحي الذي ينقل لنا الكلمة والحركة، والموقف من القضايا، والسلوك المتخذ إزاء الحوادث... فنكون على صلة بتصرفاته في تطبيقاتها العملية، لا أمام مجرد أوامر وتعليمات لم تلامس واقع الناس، ولم تتعرض لحرارة الاحتكاك به، مما يساعدنا على انتهاج مسلك الرشد وسلوك السبيل السوي الذي به النجاة، يوم يقوم الناس لرب العالمين(1).

إن مشيئة الله شاءت أن تكون رسالة الإسلام هي منهج الحياة الذي أراد الله تعالى لعباده أن يسيروا على هديه، ولما كان ذلك كذلك، كان من رحمة الله بعباده أن  جعل من مهمة حامل الرسالة " أن يؤديها بيانا عمليا في واقع الحياة، بكل ما في هذا الواقع من ملابسات ومفاجآت، حتى تكون " حياته " منارا لعباد الله في كل الظروف وعلى اختلاف الأيام.

وفي القرآن آيات كثيرة تبين هذا المعنى وتؤكده ومن ذلك، قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) [ سورة الأحزاب /21 ].

وقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [ سورة آل عمران /31 ].

قال ابن كثير في تفسير الآية الأولى: (هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله، ولهذا أمر الله تبارك وتعالى الناس بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه عز وجل)(2).

ونحن كثيرا ما نستشهد بالآية الكريمة على ضرورة اتباعه صلى الله عليه وسلم في كل أمر من أموره، وفي كل عمل من أعماله، وفي كل شأنه من شئونه... بحيث تكون سيرته نصب عيني كل مسلم فيتأسى به ويسير على هديه.

وإذا علمنا أن هذه الآية  نزلت في مناسبة غزوة الأحزاب.. علمنا أن هذا التأسي ليس قاصرا على قضايا السلم، بل هو إلزام في أوقات الأزمات، حيث يكون التأسي به صلى الله عليه وسلم ثباتا في الجأش، وقوة في الأعصاب، وصبرا جميلا في مواجهة المصاعب. وهذا هو الميدان الأول الذي نزلت الآية الكريمة في مواجهته.

قال صاحب الظلال: (وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرغم من الهول المرعب والضيق المجهد، مثابة الأمان للمسلمين، ومصدر الثقة والرجاء والاطمئنان، وإن دراسة موقفه صلى الله عليه وسلم في هذا الحادث الضخم، لمما يرسم لقادة الجماعات والحركات طريقهم، وفيه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وتطلب نفسه القدوة الطيبة، ويذكر الله ولا ينساه)(3).

وتؤكد آية (آل عمران) معنى ما جاءت به آية الأحزاب، وتضيف إليه: أن اتباعه صلى الله عليه وسلم والتأسي به، هو التعبير الصادق عن الحب لله تعالى، وهو بالتالي الوسيلة لحصول العبد على محبة الله تعالى له، وتلك هي الغاية التي يسعى إليها كل مسلم ومؤمن.


 


     (1)      من معين السيرة ص 7.
(2)      تفسير ابن كثير 3/ 474.
(3)      في ظلال القرآن 5/ 2841.