بحث عن بحث

التأسي به صلى الله عليه وسلم ( 3-4)

 

ونلفت النظر في هذا الباعث إلى أمرين:

أولهما: أن الاتباع والتأسي أوسع دائرة من إطاعة الأمر واجتناب النهي، فالتأسي تتبع للأقوال والأفعال، في كل صغيرة وكبيرة، في العادات وفي العبادات، في الفروض والواجبات والمباحات... في ذات العمل وفي طريقة أدائه، في القول وبالطريقة التي أدى بها هذا القول... إنه التأسي بالمضمون والشكل.

ثانيهما: أن كل رسول كان أسوة حسنة لقومه.... أما محمد صلى الله عليه وسلم فكان أسوة حسنة للناس جميعا، وفي كل فضائل الحياة.

ولم يرد وصف الأسوة الحسنة على إطلاقها في القرآن الكريم إلا خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره من الأنبياء وذلك في قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) [ سورة الأحزاب /21 ].

وإنما كان وحده عليه السلام الذي تمثلت فيه الأسوة الكاملة المطلقة دون غيره من الأنبياء والمرسلين لأمور منها:

أولاً: أن الرسل غيره كانوا رسلا قوميين، كل رسول منهم أرسل إلى جماعة خاصة محدودة الزمان والمكان، ولهذا جاءت الأسوة فيه وفق هذه الحدود وفي نطاقها، أما محمد عليه السلام فقد جاء رسولاً للعالمين، ورسالته عامة وباقية على امتداد الزمان والمكان، ولهذا وجب أن تكون الأسوة فيه مطلقة، تتكامل جوانبها ليجد فيها كل الناس مثلهم العليا على اختلاف قومياتهم، وامتداد بيئاتهم، وتوالي أجيالهم.

ثانيا: أن حياة الرسل غير محمد حياة خافية في أكثر جوانبها السلوكية لا يعرف الناس الكثير منها حتى الخاصة منهم لأن اتباع الرسل لم يهتموا بتسجيل حياتهم، وتتبع مواقفها العامة والخاصة،وتسجيلها وحفظها ليجد الناس فيها أمثلة للأسوة في شتى مواقف الحياة.

أما حياة محمد عليه السلام فهي واضحة جلية مسجلة بكل نبضاتها وشتى مواقفها في مراحلها المتعاقبة منذ أن ولد وإلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، وهي حياة حافلة بالجوانب المضيئة، وكل نبضة من نبضاتها هي مثل أعلى للأسوة الحسنة، يتأسى بها طلاب الفضيلة العالية والسجايا الإنسانية الرفيعة.

يقول مسلم هندي: "إن سيرته صلى الله عليه وسلم معروفة منذ نعومة أظافره إلى أن اختاره الله لجواره، لاسيما الفترة التي أدى فيها الرسالة، ولست أغالي إذا قلت: إنني أعرفه أكثر مما أعرف أبوي، ثم أليس من العجيب، أننا لا نجد فيما أثر عنه – على كثرته – إلا كل ما يدعو إلى الاحترام والإعجاب ؟!.

غيره من الأنبياء مضروب عليه حجاب من الغموض والأساطير، ولا نعرف من حياتهم اليومية إلا القليل، وما يحكي عنهم يشبه كلام الكهان"(1).


 


(1)      المثل الأعلى في الأنبياء لخواجه كمال الدين ص 45.