بحث عن بحث

الوقوف على أخلاقه والتحقق بها  (1- 5)

 

إن دراسة سيرته صلى الله عليه وسلم تعرفنا الكمال الإنساني، وتوقفنا على الخلق العظيم، ومعرفة الكمال متعة، والتخلق به جمال وإثراء للمثالية، والإنسان بطبعه يتطلع إلى المثل الأعلى ويحرص على بلوغ الكمال، وإذا كان جليس الصالح يتأثر به فتنمو فيه جوانب الصلاح كما في الحديث: (خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله)(1). إذا كان الأمر كذلك في رؤية الصالحين فكيف بجليس سيرته صلى الله عليه  وسلم.

إن سيرته صلى الله عليه وسلم هي مكارم الأخلاق، وأخلاقه هي أسمى ما يتمنى البشر.

وإذا كان المثاليون من فلاسفة الأخلاق يرون أن الخلق العظيم فكرة ذهنية مجردة ترتفع عن الواقع، وتتأبى على التطبيق، فالمثال الكامل لا وجود له – عندهم – إلا في عالم المثل المبرأ من كل نقص أو قصور، وما يوجد من صوره في الواقع إنما هي مجرد نماذج تقريبية لحقائقها العليا في عالمها المثالي.

فالقرآن الكريم يجعل من الخلق العظيم حقيقة واقعة، وكمالاً بشريا يخضع للإمكان، ومنهجا تربويا ًقابلا للتطبيق، وأسوة حسنة تتحقق بالرياضة والتهذيب.

وكما اختص القرآن محمدا عليه السلام بوصف الأسوة الحسنة اختصه أيضا بوصف الخلق العظيم في قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [ سورة (ن) /4]

وقد كان صلى الله عليه وسلم – وحده من بين الرسل جميعا – صاحب الخلق العظيم الذي يجمع كل سجايا الفضل وخصال الخير، لأنه وحده الرسول الخاتم الذي انتهت إليه مكارم الأخلاق التي تفرقت فيهم، واجتمع عنده ما انفرد به كل واحد منهم، لقد قص الله عليه أخبار المرسلين وأمره أن يقتدي بهم فقال له: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ) [ سورة الأنعام /90 ].

ولم يكن مطلب الاقتداء بهم موجها إلى شرائعهم، فهذا أمر غير وارد في الاقتداء، لأن شرائعهم نسخت بشريعته، وإنما كان دعوة إلى اقتدائه بهم في مكارم الأخلاق التي تحلى بها كل واحد منهم، فتمثلها – عليه السلام – جميعا على تفرقها، وتعدد مصادرها، فاكتمل به عقدها وتمت فيه فضائلها... وكان ذلك غاية رسالته الخاتمة التي قال عنها: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق)(2).

ولهذا انفردت رسالة الإسلام بمنهجها الأخلاقي الكامل ممثلاً في القرآن الكريم الذي لم يغادر سجية من سجايا الفضل إلا أحصاها ودعا إليها،فجاء شاملا يتسع لكل مشاكل الحياة وأمراضها، وصدق الله العظيم الذي يقول: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) [ سورة الأنعام / 38 ].

ولهذا أيضا انفرد صلى الله عليه وسلم بفضيلة الخلق العظيم ليكون الأسوة الحسنة للإنسانية جميعا مصداقا لقول الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [ سورة الأنبياء /107 ].

وكما جاء القرآن منهجا جامعا للكتب السماوية السابقة ومهيمناً عليها، جاء محمد عليه السلام جامعا لفضائل الرسل السابقين ومتمما لها، ومقام الرسل منه أشبه بمقام الجداول العذبة من النهر، كل واحد منها يحوذ الفضل في موقعه، فيمد الحياة من حوله بالخصب والنماء، فيكون مثلاً أعلى في الوفاء بحاجات الحياة والأحياء، فإذا تجمعت هذه الجداول في مصبها الجامع ظهر بمجموعها فضل النهر الذاخر المتدفق الذي يحويها ولا يلغيها، ويكون فضله عليها فضل السعة التي تناسب امتداد الحياة في واديه واتساع آفاقها من حوله، وهذا سر العظمة فيه.


 



(1)     الحديث أخرجه أحمد في مسنده عن عبدالرحمن بن غنم 4/ 227، وعن أسماء بنت يزيد 6/ 459.
(2)     الحديث أخرجه الحاكم في مستدركه (2/ 670) رقم 4221، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد- باب حسن الخلق ص 84 وعزاه السيوطي في الجامع الصغير (1/103) للبخاري في الأدب والحاكم في المستدرك والبيهقي في الشعب، وحكم عليه بالصحة.