بحث عن بحث

لقد كان صلى الله عليه وسلم على خلق عظيم وفاقا لهذا المعيار، ولأي معيار يقاس به الخلق العظيم، وحسبه شهادة ربه له بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ).

وهي شهادة تعلو به فوق كل فضيلة ويعلو بها فوق كل الفضلاء. وإذا كان وصف الناس للناس لا يخلو من مبالغة أو تجوز، فإن وصف الخالق يأتي مثلاً في دقة الوصف، وإحكام الصفة، لأنه وصف الخبير بحقائق الأمور ودقائق الأشياء.

ومن مظاهر العظمة في هذا الخلق ما يلي:

أ) أن خلقه لم يكن خلقا خاصا، أو سجية شخصية، وإنما كان منهجاً عاما قابلاً للتطبيق، وأسوة حسنة معروضة للاقتداء، وهو منهج تمثل نظريا في القرآن، وأسوة عملية فيه عليه السلام.

وقد عرف صلى الله عليه وسلم بهذا بين صحبه فكان صورة حية تتجسد فيه آداب القرآن وأخلاقياته.

روى الحاكم بسنده عن سعد بن هشام أنه دخل مع حكيم ابن أفلح على عائشة رضي الله عنها فسألها فقال: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: أليس تقرأ القرآن؟ قال: بلى، قالت: فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم.(1)

وهذا يوضح أنه عليه السلام إنما كان يمثل الترجمة الحية للقرآن الكريم مما يفسر معنى الخلق العظيم فيه.

فيكون المعنى: وإنك لعلى منهج عظيم في تربية الخلق العظيم، وهو خلق القرآن الذي عليه نتأدب، وبه نتخلق.

وهذا يفتح الباب واسعا أمام من يسمو بنفسه ويتطلع إلى بلوغ الخلق العظيم الذي يتحقق لكل من يأخذ نفسه بآداب القرآن، والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو قال وإن خلقك لعظيم لكان ذلك خلقا خاصا به عليه السلام لا يتأتى فيه التأسي، ولا يتطلع إلى بلوغه أحد من المؤمنين.

ب ) أن أخلاقه صلى الله عليه وسلم مع تعددها كانت متكاملة متوازنة متعادلة، وهذا أمر قلما يتحقق لعظيم من الناس، فقد يظفر العظيم ببعض السجايا الفاضلة، ويسلم له القليل أو الكثير منها، ثم لا تتعادل في الدرجة، ولا تتوازن في المقدار.

ومن المقرر المعلوم أن مكارم الأخلاق تتفاوت في سلوك الكريم فيكون التفوق في خلق على حساب نقص في خلق آخر.

قد يتفوق إنسان – مثلا – في فضيلة الرحمة ثم يكون ذلك على حساب فضيلة الحزم في مواقف الصلابة والردع.

وقد يتفوق في خلق الحياء، ثم يكون ذلك مظهر ضعف يعوقه في مواقف الجراءة والمواجهة.

وقد يتفوق في الحلم والتسامح – ثم يكون ذلك نتيجة تبلد في الطبع وجمود في الإحساس مما يجعله لا يغضب لشيء، ولا يقوي على الردع في مواطن الإصلاح والتقويم.

وقد يسلم له خلق التواضع، ثم يكون التواضع مظهراً لإهدار الشخصية الحية التي تشع المهابة والإجلال.

وهكذا قد يتفوق الإنسان في فضيلة على حساب ما يقابلها من فضائل السلوك فيكون ذلك عيبا ظاهرا فيه، يذهب بما فيه من مظاهر التفوق والامتياز، فإن الخلق كالعملة الذهبية إن لم يتعادل وجهاه في الجودة والصقل، كان ذلك عيبا يرد به في سوق التعامل بين الناس.

كل ذلك حق وحاصل في سلوك الناس، وهو ما تبرأت منه سجاياه عليه السلام، وهذا مناط العظمة في الأسوة الحسنة التي اختص بها دون غيره من الأنبياء والمرسلين فقد اكتملت فيه الأخلاق الكريمة جميعها، فلم يند منها خلق واحد، وبهذا اكتملت له عظمة الأسوة، وتبرأت من شوائب النقص، وجاءت كالجوهرة الفريدة، تتعدد جوانبها ولكنك كيفما قلبتها لا ترى في أوجهها المتقابلة إلا الصفاء والنقاء.


 

(1)     المستدرك ( 2/ 670 )، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.