بحث عن بحث

الوقوف على أخلاقه والتحقق بها (3-5)

 

كان عليه السلام كما يقول أبو سعيد الخدري: (أشد حياء من العذراء في خدرها)(1).

والحياء خلق جامع، فهو عصمة من كل رذيلة، وصيانة من كل عيب، وقد بلغ فيه عليه السلام درجة الخلق العظيم، حتى كان لشدة حيائه لا يثبت بصره في وجه محدثه، ومع هذا الحياء الشديد كان صلى الله عليه وسلم أشد الناس جراءة في ردع الباطل، ونصره الحق، لا يستحي في حق، ولا يتردد في أمر بمعروف ونهي عن منكر، ولا يداري في موضع صراحة، ولا يسايس في موقف حسم، وإنما كان يضرب في الصميم، لا يبالي قرابة قريب أو مجاملة ذي سلطان، سفه أحلام الأعمام من سادة قريش، فأبطل أعرافهم في جراءة شديدة وقلب جسور.

وكان عليه السلام أرحم الناس بالناس وبالأحياء جميعا، وهذه الرحمة العظيمة لم تضعف فيه فضيلة الحزم، فكان أشدهم صلابة في أخذ الحقوق، وإقامة الحدود، لا يضعف أمام عاطفة، ولا يرق لآصرة في موقف يتعلق بالحقوق والحدود، كان يوصى بالنساء خيرا، ويرق لضعفهن، ويخشى عليهن خشونة الإبل وهن على ظهورهن، فيقول للحادي: (رويدك سوقا بالقوارير)(2) ومع كل ذلك لم يتردد في رجم الزانية، وقطع يد السارق،وقال في حسم ظاهر: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها)(3).

وكان عليه السلام أعظم الناس حلما وأكثرهم تسامحاً، وسع تطاول الكفار وغفر أذاهم، ومع هذا الحلم العظيم كان يغضب لله فلا يرد غضبه حتى ينتصر للحق الذي غضب له.

روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها)(4).


 



(1)     الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم،  (3562)، ومسلم في صحيحه كتاب الفضائل، باب كثرة حيائه صلى الله عليه وسلم (6032).
(2)     الحديث أخرجه مسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته صلى الله عليه وسلم بالنساء والرفق بهن، رقم (6063).
(3)     الحديث أخرجه البخاري، كتاب الحدود، باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان، رقم (6788).
(4)     صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم.