بحث عن بحث

الوقوف على أخلاقه والتحقق بها (4-5)

 

 وكان صلى الله عليه وسلم متواضعا شديد التواضع، لا يتميز على أصحابه في مأكل أو ملبس، ولا يتعالى على خدمه في عمل، يردف خادمه، ويخدم أهله، ويسامر مولاه، ومع ذلك كان مهيباً شديد الهيبة لا يقوى أحد على النظر إليه مهابة له وإجلالاً.

قال عمرو بن العاص : (وما كان أحد أحب إلىّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت، لأني لم أكن أملأ عيني منه)(1).

وهكذا كانت أخلاقه صلى الله عليه وسلم متكاملة متوازنة لم يطغ خلق على خلق، ولم يتفوق جانب منها على آخر، وبهذا استقامت له عظمة الأسوة الشاملة لكل خلق عظيم.

وقد أتاح له هذا التكامل والتعادل في سجاياه الفاضلة تنوعاً وثراء في عطاء الأسوة الحسنة،فاجتمع على التأسي به أنماط مختلفة من عظماء الرجال، وأصبح كعبة تتوجه إليها الأنظار، وتتعلق بها القلوب، ويحج إليها طلاب الفضيلة على اختلاف ميولهم، وتفاوت طباعهم، وتنوع معادنهم، وجميعهم قد وجدوا فيه حاجتهم وافية وزادهم وفيرا.

وحين يجتمع العظماء – ممن يختلفون في جوانب العظمة – على صحبة عظيم، ويجمعون على أنه أسوتهم فيما يعشقون من مكارم الأخلاق، يكون ذلك أصدق دليل عملي على مبلغ العظمة في فضائله، واتساع جوانبها،وثراء عطائها، وإنه قد بلغ فيها جميعا مرتبة الأسوة الجامعة التي تصنع العظماء.

وإذا صح قولهم : الرجل يعرف بصحبه – وهو قول صحيح – فأصحابه عليه السلام : هم التطبيق العملي والنماذج المضيئة لفضيلة الأسوة الجامعة فيه، وهم في أنفسهم أمثلة حية للفضائل الإنسانية العالية التي تفرقت فيهم واجتمعت فيه.

هم عظماء قد اختلفت جوانب العظمة فيهم، وتفاوتت بينهم، وقد التقوا جميعا حول مائدته، والتقوا على ورده، فارتفع بهم جميعا إلى مقام الأسوة الهادية وجاءت فضائلهم شهادة من الواقع الحي على كمال الأسوة فيه.

لم يكن أصحابه عليه السلام نمطا واحدا من عظماء الرجال وإنما اختلفت أجناسهم واختلفت أعمارهم، واختلفت مشاربهم، واختلفت سجاياهم، وقد جمعوا فيما بينهم من عظمة الحسب، وعظمة الكفاءة، وعظمة الرأي، وعظمة الفداء، ما يرتفع بهم إلى مرتبة العظمة بين العظماء.

وقد تميز كل واحد منهم بسجية، وتفرد بخلق، فكان اجتماعهم حوله، واجتماعهم على التأسي به دليلا على تكامل الفضائل فيه، التي تعشقها مثل هؤلاء العظماء، ووجدوا فيها بغيتهم على اختلاف حاجاتهم من الفضيلة، وتنوع مآربهم من مكارم الأخلاق.

ومن هؤلاء : الصديق في لينه ورحمته، والفاروق في حسمه وحزمه، وعثمان في حيائه وسخائه، وعلي في شجاته وبسالته، وأبو عبيدة في أمانته ووفائه، وخالد في جسارته وإقدامه، ومعاوية في حلمه وسياسته، وبلال في ثباته وصموده، وعمار في تقشفه وزهده، وغيرهم من عظماء الرجال ممن حازوا فضل الصحبة، وانتفعوا بهداية الأسوة، فأصبح كل واحد منهم معلما من معالم الفضيلة الإنسانية، وهم كثرة لا يحصيهم العدد، ولا ينقطع فيهم المدد، وكل واحد منهم أمة من الناس في شمائله الفاضلة، وسجاياه العالية التي ارتفع بها فوق دنيا الناس، يحلق – كالنجوم – في سماء الفضيلة مثلا أعلى للأسوة الحسنة التي تهدي السارين في دروب الحياة(2).

وسيظل التاريخ يذكر أن تلك المعالم حين وجدت اهتز إيوان كسري وترنح قصر قيصر، وتمرغ الباطل في التراب.

وإذا الحفاة الذين لم يكن لهم شأن أمام الفرس والروم قد هزموا الباطل وورثوا عرش هذا وتاج ذاك، واندفعوا بهذا الدين القيم، حتى بلغوا أسوار الصين، وانطلقوا حتى وصلوا إلى ساحل المحيط الأطلسي، وأقاموا دولة إسلامية في أسبانيا، ووصلوا إلى فيينا وكان ذلك مما شاهدته الدنيا وسجله التاريخ(3).


 


(1)     جزء من حديث أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله (192).
(2)     انظر : الأسوة الحسنة ص 41، 42.
(3)     الجامع الصحيح للسيرة النبوية للدكتور سعد المرصفي ص 162- 163.