بحث عن بحث

 

الوقوف على أخلاقه والتحقق بها (5-5)

 

وهنا قصة عجيبة حدثت منذ أكثر من ألف عام في أرض فارس على يد ابن سينا ، حين قال غلامه : لست أدري بأي شيء يفضلك محمد صلى الله عليه          وسلم ؟ ! .

كان هذا الخادم شديد الإعجاب بأستاذه بمقدار ما كان شديد العجب من أن يكون أستاذه الفيلسوف تابعا للنبي العربي ، وقد خيل له خياله المريض وعلمه القاصر وحبه الأعمى أن ابن سينا أعلم من نبي الإسلام وأرقى في باب الفلسفة والعلم والمعرفة ، وكان كثيرا ما يكاشف أستاذه بذلك ، فحينا يعرض عنه ، وحينا يوبخه في انتظار فرصة تسنح يكون لفته فيها إلى الحق أيسر سبيلا وأقدر على رده إلى عقيدة الإسلام .

وقال ابن سينا: يا بني سأخبرك غدا عن هذا الأمر ، وكان الوقت شتاء ، والجو في شدة من البرودة لا يكاد يتحملها الإنسان ، وفي منتصف الليل طلب ابن سينا من غلامه أن يحضر له الماء الدافي للوضوء ، فإذا بالغلام يقول له : دعني بعض الوقت فإنني متعب ، ولو انتظرت قليلا لقمت ، وغلب النوم على ذلك الغلام ، ومضت نصف ساعة ، وابن سينا يكرر القول على الغلام ، حتى نبهه مؤذن الفجر وإذا بهم يستمعون من فوق المئذنة إلى كلمات للمؤذن : الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمداً رسول الله ، أشهد أن محمداً رسول الله .. إلى آخر الأذان .

وهنا قال ابن سينا : يا بني : هذا وقت تعليمك ، قم الآن واستمع إلى ما أقول : إننا الآن في أرض فارس ، وبيننا وبين العرب حيث قام الإسلام وظهر النبي عليه الصلاة والسلام مسافة ضخمة ، وبيننا وبينهم قرون متطاولة ، وهو نبي عربي ، والذي فوق المئذنة رجل من فارس ، بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام من الناحية الزمانية قرون ، ومن الناحية المكانية أميال ، وبينهما عجمة في لسان هذا ، وفصاحة في لسان النبي عليه الصلاة والسلام ، ولكنه جاء في الليل الشديد البرد على رغم هذا كله ، وصعد فوق أعلى مكان في المدنية، وفي أبرد الأوقات في جوف الليل ليقول : أشهد أن محمداً رسول الله ، وأنا معلمك أعلمك وأربيك ، وأطلب منك وأنت في الدار أن تعد لي شيئا من الماء لوضوئي فتؤخرني نصف ساعة ثم ساعة بعدها! هذا هو الفرق بين مقام الأنبياء ومقام العلماء(1).

وهنا نبصر جانبا كبيراً عملياً من عمق التأثير في الأجيال المتعاقبة من المسلمين ، إحساساً عميقا بمكانة الرسول الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم ، وجلال مقامه ، وعظمة خلقه ، وكمال الأسوة فيه صلى الله عليه وسلم .  

 


 


(1)     قطوف من أدب النبوة للشيخ الباقوري 2/ 52، 53.