بحث عن بحث

سيرته دليل صدق نبوته ورسالته (1-2)

إن سيرة محمد صلى الله عليه وسلم تعطينا الدليل الذي لا ريب فيه على صدق رسالته ونبوته ، إنها سيرة إنسان كامل سار بدعوته من نصر إلى نصر ، لا على طريق الخوارق والمعجزات ، بل عن طريق طبيعي بحت ، فلقد دعا فأوذي ، وبلغ فاصبح له الأنصار ، واضطر إلى الحرب فحارب ، وكان حكيما موفقا في  قيادته ، فما أزفت ساعة وفاته إلا كانت دعوته تلف الجزيرة العربية كلها عن طريق الإيمان ، لا عن طريق القهر والغلبة ، ومن عرف ما كان عليه العرب من عادات وعقائد وما قاوموا به دعوته من شتى أنواع المقاومة حتى تدبير اغتياله ، ومن عرف عدم التكافؤ بينه وبين محاربيه في كل معركة انتصر فيها ، ومن عرف قصر المدة التي استغرقتها رسالته حتى وفاته ، وهي ثلاث وعشرون سنة ، أيقن أن محمداً رسول الله حقا ، وأن ما كان يمنحه الله من ثبات وقوة وتأثير ونصر ليس إلا لأنه نبي حقا ، وما كان لله أن يؤيد من يكذب عليه هذا التأييد الفريد في التاريخ .

فسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تثبت لنا صدق رسالته عن طريق عقلي بحت ، وما وقع له صلى الله عليه وسلم من المعجزات لم يكن الأساس الأول في إيمان العرب بدعوته بل إنا لا نجد له معجزة آمن معها الكفار المعاندون ، على أن المعجزات المادية إنما تكون حجة على من شاهدها ، ومن المؤكد أن المسلمين الذين لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يشاهدوا معجزاته ، إنما آمنوا بصدق رسالته للأدلة العقلية القاطعة على صدق دعواه النبوة ، ومن هذه الأدلة العقلية : القرآن الكريم ، فإنه معجزة عقلية ، تلزم كل عاقل منصف أن يؤمن بصدق محمد صلى الله عليه وسلم في دعوى الرسالة .

وهذا يختلف تماما عن سير الأنبياء السابقين المحفوظة لدى أتباعهم ، فهي تدلنا على أن الناس آمنوا بهم لما رأوا على أيديهم من معجزات وخوارق ، دون أن يحكموا عقولهم في مبادئ دعواتهم فتذعن لها ، وأوضح مثل لذلك السيد المسيح عليه   السلام ، فإن الله حكي لنا في القرآن الكريم أنه جعل الدعامة الأولى في إقناع اليهود بصدق رسالته ، أنه يبرئ الأكمة والأبرص ، ويشفي المرضي ، ويحيي الموتى ، وينبئهم بما يأكلون ويدخرون في بيوتهم ، كل ذلك بإذن الله جل شأنه ، والأناجيل الحاضرة تروى لنا أن هذه المعجزات هي وحدها التي كانت سببا في إيمان الجماهير دفعة واحدة به ، لا على أنه رسول الله كما يحكي القرآن الكريم ، بل على أنه إله وابن إله – وحاشا لله من ذلك – والمسيحية بعد المسيح انتشرت بالمعجزات وخوارق العادات – وفي سفر أعمال الرسل أكبر دليل على ذلك – حتى ليصح لنا أن نطلق على المسيحية التي يؤمن بها أتباعها أنها دين قام على المعجزات والخوارق ، لا على الإقناع العقلي .

ومن هنا نرى هذه الميزة الواضحة في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، إنه ما آمن به واحد عن طريق مشاهدته لمعجزة خارقة ، بل عن اقتناع عقلي وجداني ، وإذا كان الله قد أكرم رسوله بالمعجزات الخارقة ، فما ذلك إلا إكرام له صلى الله عليه وسلم ، وإفحام لمعانديه المكابرين ، ومن تتبع القرآن الكريم وجد أنه اعتمد في الإقناع على المحاكمة العقلية ، والمشاهدة المحسوسة لعظيم صنع الله ، والمعرفة التامة بما كان عليه الرسول من أمية تجعل إتيانه بالقرآن الكريم دليلا على صدق رسالته صلى الله عليه وسلم(1).

يقول الله تعالى : (وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين ، أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون) [ سورة العنكبوت / 50، 51] .

والذين يؤمنون هم الذين يجدون مس هذه الرحمة في نفوسهم ، وهم الذين يتذكرون فضل الله وعظيم منته على البشرية بهذا التنزيل ، ويستشعرون كرمه وهو يدعوهم إليه ، وهو العلي الكبير ، وهم الذين ينفعهم هذا القرآن ، لأنه يحيا في قلوبهم ، ويفتح لهم عن كنوزه ، ويمنحهم ذخائره ، ويشرق في أرواحهم بالمعرفة والنور ، هكذا يقرر القرآن الكريم بصراحة ووضوح أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنسان رسول ، وأن سيرته تعطي الدليل العملي على صدق رسالته ونبوته  .


 

(1)     السيرة النبوية دروس وعبر ص 12.