بحث عن بحث

في السيرة أصول المعارف الصحيحة

 وهكذا نجد أن للعبادة أفقا رحبا ودائرة واسعة :

فهي تشمل الفرائض والأركان الشعائرية من الصلاة والصيام والزكاة والحج وهي تشمل ما زاد على الفرائض من ألوان التعبد التطوعي من ذكر ، وتلاوة ، ودعاء، واستغفار ، وتسبيح ، وتهليل ، وتكبير ، وتحميد .

وهي تشمل حسن المعاملة ، والوفاء بحقوق العباد ، كبر الوالدين ، وصلة الأرحام ،والإحسان لليتيم والمسكين وابن السبيل ، والرحمة بالضعفاء ، والرفق بالحيوان .

وهي تشمل الأخلاق والفضائل الإنسانية كلها ، من صدق الحديث ، وأداء الأمانة ، والوفاء بالعهد ، وغير ذلك من مكارم الأخلاق .

ورضي الله عن سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين الذين رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد كان شمول العبادة أمراً واضحا لديهم لا لبس فيه ولا غموض .

أخرج الطبري في تاريخه من خبر بكر بن عبدالله المزني قال : جاء عمر بن الخطاب إلى باب عبدالرحمن بن عوف فضربه ، فجاءت المرأة ففتحته ... إلى أن قال : وعبدالرحمن بن عوف قائم يصلي ، فقال له – يعني عمر – تجوز أيها الرجل – يعني خفف صلاتك – فسلم عبدالرحمن حينئذ ، ثم أقبل عليه فقال : ما جاء بك هذه الساعة يا أمير المؤمنين ؟ . فقال : رفقة نزلت في ناحية السوق خشيت عليهم سراق المدينة ، فانطلق نحرسهم ... إلخ (1).

ففي هذا الخبر فهم عميق لمجالات العبادة ، وتقديم الأهم على المهم ، فإذا كانت الصلاة عبادة فخدمة المسلمين أيضا عبادة ، وما دامت الصلاة نفلا فإن ما نزل من حاجة المسلمين مقدم على ذلك ، لأن الصلاة عبادة يقتصر نفعها على صاحبها ، وخدمة المسلمين عبادة يتعدى نفعها للمسلمين .

وذكر الإمام البغوي عن الشعبي قال : خرج ناس من أهل الكوفة إلى الجبانة – أي الصحراء- يتعبدون ، واتخذوا مسجدا وبنوا بنيانا ، فأتاهم عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ، فقالوا : مرحبا بك يا أبا عبدالرحمن ! لقد سرنا أن تزورنا ، قال : ما أتيتكم زائرا ، ولست بالذي أترك حتى يهدم مسجد الجبان ، إنكم لأهدى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! أرأيتم لو أن الناس صنعوا كما صنعتم ،من كان يجاهد العدو ؟ ومن كان يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ؟ ومن كان يقيم الحدود ؟ ارجعوا فتعلموا ممن هو أعلم منكم ، وعلموا من أنتم أعلم منهم ، قال : واسترجع فما برح حتى قلع أبنيتهم وردهم (2).

وقال ابن عباس رضي الله عنهما : " لأن أعول أهل بيت من المسلمين شهرا أو جمعة أو ما شاء الله أحب إلى حجة بعد حجة ، ولطبق بدانق أهديه إلى أخ في الله أحب إلى من دينار أنفقه في سبيل الله عز وجل " (3).

ورحم الله ابن المسيب حين قال له مولاه برد : ما رأيت أحسن ما يصنع هؤلاء ؟ قال سعيد وما يصنعون ؟ قال : يصلي أحدهم الظهر ثم لا يزال صافا رجليه يصلي حتى العصر . فقال سعيد : ويحك يا برد ! أما والله ما هي بالعبادة ، تدري ما العبادة ؟ إنما العبادة التفكر في أمر الله ، والكف عن محارم الله(4).

 لقد وقر في حس هذا الجيل أن جميع الأعمال لابد أن تتوجه إلى الله حتى تكون طاعة وعبادة ،حتى إن عمر بن عبدالله قال لامرأته وهي ترضع ابنا لها : ( لا يكونن رضاعك لولدك كرضاع البهيمة ولدها ، قد عطفت عليه من الرحمة بالرحم ، ولكن أرضعيه تتوخين ابتغاء ثواب الله ، وأن يحيا برضاعك خلق عسى أن يوحد الله ويعبده ) (5).

وهذا ما ينبغي أن يعيه الجيل المعاصر في مفهوم العبادة وأبعادها .

وفي السيرة النبوية أصول النفسيات التي يحتاج إليها الإنسان في تعامله مع الآخرين ، انظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم ( وتبسمك في وجه أخيك صدقة ) (6) ويصف هند ابن أبي هاله رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفات هي أساس مراعاة نفسيات الناس إذ يقول : " ... ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ... ويتفقد أصحابه ، ويسأل الناس عما في الناس ... وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ، ويأمر بذلك ، يعطي كل جلسائه بنصيبه ، لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه ، من جالسه أو فاوضه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه ، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول ، قد وسع الناس بسطه وخلقه ، فصار لهم أبا ، وصاروا عنده في الحق سواء ... الحديث (7).

أرأيت هذه النفسيات الصادقة والتي خلت عن كل تعقيد ، ولو صدق دارسو النفسيات في أخذ علومهم من سيرته صلى الله عليه وسلم ، لأفادت دراستهم البشرية خيرا كثيرا ً.


(1) - تاريخ الطبري ( 4/205 ) .

(2) -شرح السنة ( 10/54- 55 ) .

(3) -صفة الصفوة ( 1/ 753 ) .

(4) - الطبقات الكبرى 5/ 135، سير أعلام النبلاء ( 4/ 241 ) .

(5) - نصيحة الملوك للماوردي ص 166.

(6) - الحديث أخرجه الترمذي في سننه ، كتاب البر ، باب ما جاء في صنائع المعروف( 1956) ، وقال : حسن غريب .

(7) - الحديث أخرجه الترمذي في الشمائل رقم 7 ، ص 275 -267.