بحث عن بحث

 

الشجاعة النادرة والاستهانة بالحياة

 

 

ولقد بعث الإيمان بالآخرة في قلوب المسلمين شجاعة خارقة للعادة ، وحنينا غريبا إلى الجنة ، واستهانة نادرة بالحياة ، تمثلوا الآخرة وتجلت لهم الجنة بنعمائها كأنهم

يرونها رأي عين ، فطاروا إليها طيران حمام الزاجل لا يلوي على شيء . 

 

تقدم أنس بن النضر يوم أحد وانكشف المسلمون ، فاستقبله سعد بن معاذ فقال : يا سعد بن معاذ، الجنة ورب الكعبة ، إني أجد ريحها من دون أحد ، قال أنس : فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم ، ووجدناه قد قتل ومثل به المشركون ، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه(1) .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر : ( قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض )! فقال عمير بن الحمام الأنصاري : يا رسول الله ، جنة عرضها السماوات والأرض ؟! . قال :( نعم )، قال : بخ بخ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ما يحملك على قولك بخ بخ )؟ قال : لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال :( فإنك من أهلها )، فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ، ثم قال : لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة ، فرمى بما كان معه من التمر ، ثم قاتلهم حتى قتل (2).

 

وعن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري قال : سمعت أبي رضي الله عنه وهو بحضرة العدو يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف ) ، فقام رجل رث الهيئة فقال : يا أبا موسى أأنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا ؟ قال : نعم . فرجع إلى أصحابه فقال : أقرأ عليكم السلام ، ثم كسر جفن سيفه فألقاه ، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قتل (3).

 

وكان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج ،وكان له أربعة بنين شباب يغزون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا ، فلما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد أراد أن يتوجه معه ، فقال له بنوه : إن الله قد جعل لك رخصة ، فلو قعدت ونحن نكفيك ، وقد وضع الله عنك الجهاد ، فأتى عمرو بن الجموح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن بني هؤلاء يمنعوني أن أخرج معك ، ووالله إني لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد )، وقال لبنيه :( وما عليكم أن تدعوه لعل الله عز وجل أن يرزقه الشهادة )، فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل يوم أحد شهيدا(4) .

 

وقال شداد بن الهاد : جاء رجل من الأعراب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه فقال : أهاجر معك ، فأوصى به بعض أصحابه ، فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فقسمه ، وقسم للأعرابي فأعطى أصحابه ما قسم له وكان يرعى ظهرهم ، فلما جاء دفعوه إليه فقال : ما هذا ؟ قالوا : قسم قسمه لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذه فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما هذا يا رسول الله ؟ قال :( قسم قسمته لك )، قال : ما على هذا اتبعتك ، ولكن اتبعتك على أن أرمي ها هنا – وأشار إلى حلقه – بسهم ، فأموت فأدخل الجنة ، فقال :( إن تصدق الله يصدقك )، ثم نهضوا إلى قتال العدو فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقتول فقال :( أهو هو )؟ قالوا : نعم ، قال :( صدق الله فصدقه )(5) .

 

من الأنانية إلى العبودية :

 

وكانوا قبل هذا الإيمان في فوضى من الأفعال والأخلاق والسلوك والأخذ والترك والسياسة والاجتماع ، لا يخضعون لسلطان، ولا يقرون بنظام ،ولا ينخرطون في سلك ، يسيرون على الأهواء ويركبون العمياء ويخبطون خبط عشواء ، فأصبحوا الآن في حظيرة الإيمان والعبودية لا يخرجون منها ، واعترفوا لله بالملك والسلطان والأمر والنهي ، ولأنفسهم بالرعوية والعبودية والطاعة المطلقة ، وأعطوا من أنفسهم المقادة واستسلموا للحكم الإلهي استسلاماً كاملاً ، ووضعوا أوزارهم ، وتنازلوا عن أهوائهم وأنانيتهم ، وأصبحوا عبيدا لا يملكون مالا ولا نفسا ولا تصرفاً في الحياة إلا ما يرضاه الله ويسمح به، لا يحاربون ولا يصالحون إلا بإذن الله ، ولا يرضون ولا يسخطون ولا يعطون ولا يمنعون ولا يصلون ولا يقطعون إلا بإذنه ووفق أمره .

 

ولما كان القوم يحسنون اللغة التي نزل بها القرآن وتكلم بها الرسول صلى الله عليه وسلم وعرفوا الجاهلية ونشؤوا عليها ، وعرفوا معنى الإسلام معرفة صحيحة ، وعرفوا أنه خروج من حياة إلى حياة ، ومن مملكة إلى مملكة ، ومن حكم إلى حكم ، أو من فوضوية إلى سلطة ، أو من حرب إلى استسلام وخضوع ، ومن الأنانية إلى العبودية ، وإذا دخلوا في الإسلام فلا افتيات في الرأي، ولا نزاع مع القانون الإلهي ، ولا خيرة بعد الأمر ولا مشاقة للرسول ، ولا تحاكم إلى غير الله ولا إصدار عن الرأي ، ولا تمسك بتقاليد وعادات ، ولا ائتمار بالنفس ، فكانوا إذا أسلموا انتقلوا من الحياة الجاهلية بخصائصها وعاداتها وتقاليدها إلى الإسلام بخصائصه وعاداته وأوضاعه ، وكان هذا الانقلاب العظيم يحدث على أثر قبول الإسلام من غير تأن .

 

همّ فضالة بن عمير بن الملوح أن يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يطوف بالبيت . فلما دنا منه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أفضالة )؟ قال : نعم ، فضالة يا رسول الله ! قال :( ماذا كنت تحدث به نفسك )؟ قال : لا شيء ، كنت أذكر الله ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال :( استغفر الله )، ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه ؛ وكان فضالة يقول : والله ما رفع يده عن صدري حتى ما خلق الله شيئا أحب إلى منه ، قال فضالة : فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها ، فقالت : هلّم إلى الحديث ، فقلت : يأبي الله عليك والإسلام(6).

 

إن هذا الإيمان بالله والرسول واليوم الآخر والإسلام لله ولدينه أقام عوج الحياة ، ورد كل فرد في المجتمع البشري إلى موضعه ، لا يقصر عنه ولا يتعداه ، وأصبحت الهيئة البشرية طاقة زهر لا شوك فيها ، أصبح الناس أسرة واحدة ، أبوهم آدم ، وآدم من تراب ، لا فضل لعربي على عجمي ، ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى .

 

وأصبحت الطبقات والأجناس في المجتمع الإسلامي متعاونة متعاضدة لا يبغي بعضها على بعض ، فالرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ، والنساء صالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ، لهن مثل الذي عليهن بالمعروف ، وأصبح كل واحد في المجتمع راعيا ومسؤولا عن رعيته ، الإمام راع ومسؤول عن رعيته ، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها ، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته (7).

وهكذا كان المجتمع الإسلامي مجتمعا رشيداً عاقلاً مسؤولا ًعن أعماله (8).

 

 



(1) - أخرجه البخاري ، كتاب الجهاد والسير ،باب قول الله ( من المؤمنين رجال ... ) ( 2805 ) ،ومسلم ، كتاب الإمارة ( 1903 ) .

(2) - أخرجه مسلم ، كتاب الإمارة ، باب ثبوت الجنة للشهيد ، ( 4915 ) . 

(3) - أخرجه مسلم ، كتاب الإمارة ، باب ثبوت الجنة للشهيد ، ( 4916 ) . 

(4) - أخرجه ابن هشام في السيرة ( 2/90، 91 ) والبيهقي في الدلائل ( 3/ 246 ) . 

(5) - أخرجه النسائي ، كتاب الجنائز ، باب الصلاة على الشهداء ( 1955 ) ، والحاكم في المستدرك ( 3/595-596 ) وسكت عليه ، ووافقه الذهبي ، قلت : إسناده صحيح .

(6) - زاد المعاد : 2/332.

(7) - هذا حديث أخرجه البخاري ، كتاب الجمعة ، باب الجمعة في القرى والمدن ، رقم ( 893 ) .

(8) - انظر : ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ص 101-111 ، 113-114.