بحث عن بحث

 

دراسة السيرة حصانة من سموم المستشرقين (1-2)

 

أن دراسة السيرة النبوية حصانة ووقاية من سموم المستشرقين وتلامذتهم، فهم جميعا إلا أقل القليل منهم محترفو تزييف وتحريف ، وهواة تشكيك وتضليل، لذلك كثرت كتاباتهم وتحقيقاتهم في التاريخ والسيرة ، حتى إن مجلة المقتبس الدمشقية نشرت منذ أكثر من قرن ( 1304هـ ) : إحصاء لما صنف في السيرة النبوية بمختلف اللغات الأوربية فبلغ نحو ( 1300 ) كتاب ، ولو أضفنا إلى هذا العدد ما صدر من المطابع الأوربية في السيرة النبوية خلال قرن وربع القرن بعد ذلك الإحصاء الذي نشرته مجلة المقتبس لأربى على ذلك كثيرا .

إن من أعظم الحقائق التي يجب أن يمتلكها المسلم اليوم حقيقة النبوة وارتباطها بحقيقة الوحي ،هذه الحقيقة التي يمتاز بها الرسل والأنبياء عن سائر الشخصيات الممتازة في الحياة ، من العباقرة والفلاسفة والأبطال والمفكرين والمصلحين، والتي كادت أن تختفي في حياة الجيل المعاصر وراء ستائر البدائل الكثيرة التي طرحها أعداء الإسلام في ساحة فكر المسلم وقلبه في غمرة من الغزو الفكري الذي لا يزال يتعرض له العالم الإسلامي منذ عقود كثيرة من الزمان وفي غفلة من الدعاة المسلمين .

 

فلقد سلطت الأضواء على بدائل كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأطلقت في مقابل ذلك ألقاب معينة عليه صلى الله عليه وسلم توهم بالتعظيم ، ولكن المراد منها في الحقيقة إبعاد معنى النبوة عنه صلى الله عليه وسلم وطمس معالمها في شخصيته ، فمرة البطل ، ومرة العبقري ... حتى أصبح المسلم اليوم لا يفقه ماذا تعني النبوة ، ولا أين يجب أن تكون من حياته ، ولا كيف يجب أن تحكم سلوكه وعقيدته وشعوره ،ولا كيف يجب أن يربط مصيره بها .

 

إن المستشرقين الذين يمكرون بالليل والنهار لفصل هذا الجيل عن دينه وإقصاء الإسلام عن واقع الحياة يحاولون الدخول على عقيدة المسلم من كل باب ، وأخطر تلك الأبواب طراً شخصية المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وهم يأبون أن يدرسوا الإسلام ورسوله دراسة موضوعية منهجية سليمة ، بالرغم من كل ما يتشدقون به على الدارسين في ديارهم وما يزعمون لأنفسهم من السبق في المنهجية . إنهم لا يدخلون رحاب تاريخنا العظيم والسيرة بصورة خاصة إلا بسبق ذهني ولده الكره للإسلام ، يركبون للبرهان على صحته كل مركب باطل من الخبر الضعيف والشاذ، ولي أعناق النصوص وتحميلها من الدلالات ما ليس فيها ، وربط الأحداث ربطا خاطئا أو بتر بعض أجزاء الحدث (1).

 

إن السبب في اهتمام المستشرقين بالتاريخ والسيرة : أن التاريخ يمنح الأمة القدرة على التصور الصحيح لمسار الحركة الإسلامية ، ويوقفنا على أسباب المد والجزر في محيط الفتح الإسلامي ، فمن كان مؤمنا استطاع أن ينتفع بالتاريخ في ربط حاضره بماضيه متجنبا العوائق ، ولله در من قال :

إذا علم الإنسان أخبار من مضى       توهمته قد عاش من أول الدهــر

وتحسبه قد عاش آخر عمــره         إذا كان قد أبقى الجميل من الذكر 

ومن كان خصماً للإسلام عرف بدراسته للتاريخ الإسلامي من أين تؤكل الكتف في غزوه للعالم الإسلامي ومواجهته لدين الإسلام ، وأكثر المستشرقين يكن بغضا للإسلام ونبيه ، حتى إن ليوبولد فايس ( محمد أسد ) ليقرر هذه الحقيقة فيقول : " إن احتقار الإسلام أصبح جزءاً أساسياً من التفكير الأوربي "(2) .

 

وجاء في مجلة العالم الإسلامي ( عدد حزيران سنة 1930 ) : " إن شيئا من الخوف يجب أن يسيطر على العالم الغربي ، ولهذا الخوف أسباب منها : أن الإسلام منذ أن ظهر في مكة لم يضعف عددياً بل كان دائما في ازدياد واتساع ، ثم إن الإسلام ليس دنيا فحسب ، بل إن من أركانه الجهاد ، ولم يتفق قط أن شعبا دخل في الإسلام ثم عاد نصرانيا " .

ولذلك جاءت كتاباتهم في السيرة جهلا بها ، وتعصبا في التعامل معها ، وتحليلات واستنتاجات ما أنزل الله بها من سلطان ، ويؤكدها الواحد منهم المرة تلو المرة ، ويجمع القوم عليها حتى لتكاد تغدو عندهم يقينا من اليقين .

 


 


(1) - انظر : مختصر الجامع في السيرة النبوية ( 1/15 ) .

(2) - الإسلام على مفترق الطرق ص 60 .