بحث عن بحث

 


المنهج الأمثل في دراسة الإرهاصات1

 

عرفنا أن الإرهاص : أمر خارق للعادة يظهر للنبي قبل بعثته ، وللعلماء في خوارق العادات مواقف شتى ورؤى متعددة .

ففريق : شط به خياله وجنحت به عاطفته ، فأثبت من الخوارق ما لم يقم له سند من نقل أو يعضده تأييد من عقل .

وفريق آخر : تبلد عقله وجف إحساسه ، فأنكر أو أوّل ما أثبته النص الصريح ، وشهد له النقل الصحيح .

وكلا الطرفين مخطئ في موقفه ، جانح إلى غير الصواب في رأيه ، فإذا كان وزر المتزيدين في الروايات أنهم تزيدوا وأغرقوا ، وقبلوا كل تافه وغثاء ، فوزر المنكرين والمتأولين أنهم أجحفوا وتنقصوا وظلموا ، وردوا ظاهر القرآن وصحيح الرواية لغير ضرورة ملجئة .

والمذهب الصحيح في تقبل الإرهاصات والمعجزات أن تثبت بها الرواية ثبوتا لا يحتمل الطعن والتجريح .

وليس من الإنصاف أن نثبت ما لم يثبت لأننا بذلك ندخل في الدين ما ليس منه ، كما أنه من الإجحاف والاعتساف أن ننكر أو نأول ما ثبت لأننا بذلك نخرج من الدين ما هو منه .

يقول الأستاذ محمد الصادق عرجون : " ليس من رأينا ولا في مذهبنا أن ننكر الإرهاصات المعجزة جمودا مع الجامدين المتعالين الذين يريدون أن يخضعوا جلال الألوهية وعظم سلطانها لسلطان عقولهم في حدود ما يعرفون من سنن الحياة ، هذا غرور بليد لأن ما عرف من سنن الحياة تافه قليل إلى جانب ما لم يعرف .

وحتى الذي عرف من سنن الحياة لا ينكر هذا الضرب من الخلق والتكوين الذي يراه من يقيسه إلى سنن الحياة العامة المألوفة المتكررة معجزا خارقا لقوانينها ، وهو في نظامه وتكوينه وأسبابه خاضع لسنن خاصة تعرفها الحياة في أوقات ومناسبات خاصة ، فهو في حقيقة أمره من سنن الله القائمة على أسباب ومناسبات مطردة في بابها وطرائقها .

وإنما مذهبنا في تقبل هذه الإرهاصات يقوم على دعائم ثلاث :

أولها : أن وقوع حوادث كونية تخفى على العقول أسبابها وعواملها المنشئة ــ وهو ما نسميه بالأعاجيب ويسمى في مشهور عرف العلماء بالإرهاصات إن وقع قبل النبوة ، وبالمعجزات والآيات إن وقع في زمن النبوة ــ أمر قامت على جوازه ووقوعه الدلائل من النصوص القطعية في الكتب السماوية ، والنقول التاريخية التي بلغت في جملتها مبلغ التواتر القاطع ، ومن البراهين العقلية التي تقرر هذه السنن الخاصة وقيومية الخالق عز شانه وإطلاق قدرته من قيود القوانين والعادات المعلومة في حدود مدارك العقول الإنسانية ، إلى سنن كونية وقوانين للوجود فوق آفاق تلك العقول، تحدث على وفقها تلك الأحداث الكونية والأعاجيب الإعجازية إذا تطلبتها أسبابها وحانت مناســباتها ، والله فعال لما يـريد لا يسأل عما يفعل .

ثانيها : أن القرآن الكريم - وهو أثبت وأصدق نص تاريخي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه - قص علينا في قصص الأنبياء بعض آياتهم المعجزة من الأحداث الكونية التي وقعت على أيديهم مما جرى مجرى التشريف والتكريم ، ومما تحدوا به أقوامهم ، مما لا يمكن أن يدخل تحت سنة من سنن الحياة المعروفة للعقول ، والمعهودة في حياة الناس ومألوفهم ، وقد سمى القرآن بعض تلك الآيات الكونية المتحدية براهين ، فانقلاب عصى موسى حية تسعى ، وإخراج يده بيضاء من غير سوء ، وانفلاق البحر له ولقومه ، ونتق الجبل فوقهم كالظلة ، وإحياء عيسى للموتى ، وإبراؤه للأكمه والأبرص ، وإنباؤه قومه بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم ، وخلقه من غير أب ، وإيتاء أمه مريم عليه السلام رزقا دون حركة آلية أو تسبب مما بعث كافلها زكريا عليه السلام على التعجب ، ونقل عرش بلقيس من المسافة البعيدة في أسرع من لمح البصر ، وما وقع لأصحاب الكهف ، وعدم إحراق النار إبراهيم عليه السلام ، وسائر آيات الأنبياء في قصصهم التي لا تحتمل تمحلا ولا تأويلا ، كل ذلك من الأعاجيب المعجزة والخوارق التي وقعت فعلا وشهدها الوجود ، واستفاضت بها روايات التاريخ بنقل الأجيال عن الأجيال منذ كانت النبوة لبني الإنسان إلى يوم الناس هذا استفاضة تدفع بمنكريها إلى محابس الممرورين وذوي العته العقلي ونقص التكوين الإدراكي .