بحث عن بحث

 الإرهاص ليحيى بن زكريا عليه السلام

 

كان رسول الله زكريا – عليه السلام – غير منجب للذرية حتى بلغ من العمر مائة وعشرين سنة، وبلغت زوجه التسعين، وذلك أشبه بحال إبراهيم وسارة.

وكان زكريا كفيلاً على مريم في تربيتها، ورعايتها، لأنها فاقدة الأب، ولأن زكريا زوج خالتها، وبحكم تردده على مريم في محرابها الخاص بها كان يشهد مشاهد عجيبة من تكريم الله لمريم بنزول الطعام لها من عند الله.

وكان هذا التكريم يثير في نفسه الحنين إلى الذرية، ويغالبه الأمل في الله أن يرزقه ذرية طيبة ويدعو، ويكثر الدعاء في ذلك.

والقرآن يسوق لنا قصصه عن ذلك في مقامين، يعتبر كل منهما إرهاصًا ليحيى عليه السلام.

أحدهما: في سورة آل عمران إذ يقول الله تعالى: - «هنالك – يعني في موقف من مواقفه عند مريم – دعا زكريا ربه، قال: « رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ » [آل عمران: 38 – 39].

فانظر كيف يستجيب الله دعاء زكريا؟ وكيف تكون بشرى الملائكة له بمولود ذكر، وباسم المولود يحيى، وأنه سيكون جامعًا لصفات من الكمال، بل سيكون رسولاً، وسيكون حصورًا عن زواج النساء ليكون متفرغًا للرسالة والعبادة، على نحو ما كان التبتل قديمًا من العبادة.

هذه البشرى استعظمها زكريا، وكأنه رغب في التحقق منها: لا لشك عنده في خبر الملائكة – ولكن ليزداد سرورًا بسماع ما يؤكدها له من جانب الملائكة... فقال: « قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ » [آل عمران: 40].

يا رب: كيف أطمع في هذا بعد أن بلغت من الكبر ما بلغت.. ومع أن زوجتي عاقر لم يسبق لها حمل في زمن كان يرجى فيه حملها؟

ثم يتفضل الله على زكريا فيوحي إليه ما يزيده اطمئنانًا « اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ».

فيعود زكريا، ويلتمس من فضل الله علامة على ذلك، عندما يحين الموعد الكريم... فيوحي إليه الله أن علامة هذا: أنك تُمنع من كلام الناس بلسانك ثلاثة أيام بلياليها.. ولكنك تتفاهم معهم بالإشارات رمزًا، وعليك أن تكثر من ذكر ربك، وتسبيحه كل أوقاتك « قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً » [آل عمران: 41].

فهذا القدر من قصص القرآن إرهاص واضح بشأن يحيى – عليه السلام – من قبل أن يخلق، بل من قبل أن تحمل فيه أمه.

وهذا القدر المذكور قد يزداد وضوحًا لنا إذا ذكرنا المقام الثاني لهذه القصة من سورة مريم، ففي هذه السورة نرى تفصيلاً جميلاً لبعض الجوانب في القصة.

فزكريا يناجي في ضراعة خافية على الناس: يشكو ضعف جسمه واشتعال الشيب في رأسه لكبر سنه وأن هذه أخريات العمر، وامرأته عاقر لم تنجب له ولدًا، وأنه يخاف بعد وفاته على شريعة الله أن يعبث بها من يتولون الأمر بعده من بني إسرائيل كما هو دأبهم في التبديل، والتحريف.. وأنه يتعلق بالرجاء في الله أن يرزقه من فضله وليًّا يخلفه في الدعوة إلى الله ويكون وارثًا لأبيه، وللأخيار من آل يعقوب في البركة، والهداية، والإرشاد.. إلى آخر ما عرف من شأنه في هذا الاتجاه.

ويكون من فضل الله أن يستجيب له كما تقرر فيما أسلفنا من سورة آل عمران، وتصارحه البشرى في هذه المرة بأن اسم يحيى: لم يسبق لغير ولده، وهذا مما يزيده تفاؤلاً بابنه المرموق.. وتستغرق هذه القصة في سورة مريم أربع عشرة آية.. والشطر الأول منها في حكاية ما يقوله زكريا .. والشطر الثاني في تأكيد البشرى، وهو « يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ » [مريم: 7 – 9].

ونكتفي بهذا القدر من الإرهاصات في حياة الأنبياء السابقين وننتقل إلى الإرهاص في حياة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .