بحث عن بحث

 

 

أوصاف المدعو له

 

 

وإذا تبين من خلال الأسباب السابقة أن المراد بدعاء الخليل وابنه إسماعيل عليهما السلام هو رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم دون غيره فإنهما قد ذكرا في دعائهما لهذا الرسول أوصافا أربعة وهي :

1 ــ "يتلو عليهم آياتك" أي يقرأ عليهم ما توحيه إليه وهو القران الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لأن الذي كان يتلوه عليهم هو القرآن فوجب حمله عليه

2 ــ "ويعلمهم الكتاب " يعني معاني الكتاب وحقائقه ، لأن المقصود الأعظم تعليم ما في القرآن من دلائل التوحيد والنبوة والأحكام الشرعية فلما ذكر الله تعالى أولا أمر التلاوة- وهي حفظ القران ودراسته ليبقي مصونا عن التحريف والتبديل- ذكر بعده تعليم حقائقه وأسراره .

3 ــ "والحكمة" أي ويعلمهم الحكمة وهي الإصابة في القول والعمل ولا يسمي الرجل حكيما إلا إذا اجتمع فيه الأمران، وقيل الحكمة معرفة الأشياء بحقائقها ، وقيل: الفقه في الدين أو السنة المبينة للكتاب نفسه.

4 ــ "ويزكيهم" أي يطهرهم من أرجاس الشرك وأنجاس الشك وقاذورات المعاصي، وهو إشارة إلي التحلية كما أن التعليم إشارة إلي التخلية وقيل: ويزكيهم من التزكية أي يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة إذا شهدوا للأنبياء بالبلاغ(1)

فهذه الأوصاف الأربعة قد استوفت منابع الدين أصولا وفروعا، لأن تلاوة الآيات وحفظها بألفاظها كما نزلت والتعرف علي بلاغتها وروعة أساليبها ووجوه إعجازها- كل هذا- داع إلي تفهم معانيها وتعقل مراميها ، فإذا جمع الإنسان بين التلاوة والفهم كان أحري وأجدر بتقبل الحكمة النبوية التي ظهرت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا وعملا ، فإذا ما ارتقي إلي هذه الدرجة زاد خيره وعم نفعه وطهر قلبه وخلص لمولاه ونظفت جوارحه مما يغضب الله تعالى.(2)

يقول الطاهر ابن عاشور:" وقد جاء ترتيب هذه الجمل في الذكر على حسب ترتيب وجودها لأن أول تبليغ الرسالة تلاوة القرآن ، ثم يكون تعليم معانيه قال تعالى :( فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)[ سورة القيامة / 18 ــ 19 ]

وقال الدكتور طنطاوي:" وقد جاءت ترتيب هذه الجمل في أسمى درجات البلاغة والحكمة؛ لأن أول تبليغ الرسالة يكون بتلاوة القرآن ثم بتعليم معانيه ، ثم بتعليم العلم النافع الذي تحصل به التزكية والتطهر من كل ما لا يليق التلبس به في الظاهر، أو الباطن "(3) 


(1) تفسير الخازن 1/82،روح المعاني 1/387

(2) التفسير الوسيط1/196

(3) التفسير الوسيط 1/275