بحث عن بحث

 

 العلاقة بين التزكية والتعليم

 

ومما يلاحظ في الدعاء أنه قد جمع بين التزكية والتعليم غير أن التعليم – وهو تحلية- تقدم علي التزكية- وهي تخلية- في دعوة إبراهيم عليه السلام فلما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم وامتن الله به علي هذه الأمة وتحدث عن أوصافه قدمت التزكية علي التعليم يقول تعالى:( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون)[ سورة البقرة / 151 ] 

ويقول تعالى:( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة..)[ سورة آل عمران / 164 ]

ويقول تعالى:( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة..)[ سورة الجمعة / 2 ] فما الحكمة من ذلك؟

والجواب: رهن بمعرفة الفرق بين التزكية والتعليم؟

وأقول: التزكية: هي تنظيف النفس البشرية من رواسبها الجاهلية سواء كانت من نوع الأفكار الباطلة أو المعتقدات الفاسدة أو الأخلاق السيئة.

وكلمة التزكية مشتقة من الزكاة وهي الطهارة وأساس التزكية تقوية الإرادة البشرية وتحرير النفس من الأهواء والشهوات.

بينما التعليم هدفه إضافة المعارف الجديدة للإنسان لدفع عجلة البشر إلي الأمام وهو يعتمد علي طاقة العقل الكامنة فيه.

فالعلاقة بين التزكية والتعليم تشبه إلي حد بعيد العلاقة بين تنظيف ماكينة السيارة وبين وضع الوقود فيها إذا التنظيف يغسل المواد الضارة والوقود يضيف مواد جديدة.

فوقود الإنسانية في مسيرتها الحضارية العلم ، ولكن هذا الوقود لا ينفع بدون تنظيف ماكينة الإنسان من الأخلاق الفاسدة والأفكار الباطلة ، من هنا تكتمل عملية التزكية بعملية التعليم وتأتي الواحدة تتمة للأخرى.

ولما كان ظاهر دعوة إبراهيم عليه السلام أن البعث في الأمة المسلمة كانوا إلي تعليم ما ذكر، أحوج منهم إلي التزكية ، فإن أصلها موجود بالإسلام ، فأخر قوله :"ويزكيهم" أي يطهر قلوبهم بما أوتي من دقائق الحكمة ، فترتقي بصفائها ولطفها من ذروة الدين إلي محل يؤمن عليها فيها أن ترتد علي أدبارها وتحرف كتابها كما فعل من تقدمها.

ولما ذكر سبحانه وتعالى في سورة الجمعة :" بعثه في الأميين عامة" اقتضي المقام تقديم التزكية ، التي رأسها البراءة من الشرك الأكبر، ليقبلوا ما جاءهم من العلم ، وأما تقديمها في آل عمران مع ذكر البعث للمؤمنين فلاقتضاء الحال بالمعاتبة علي الإقبال علي الغنائم التي كانت سبب الهزيمة لكونها إقبالا علي الدنيا التي هي أم الأدناس "