بحث عن بحث

 

 

رفقه ورحمته بأمته - صلى الله عليه وسلم-

 

·  عن أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- قال:(لَوْلا أَنْ أَشُقَّ على أُمَّتِي أو على الناس لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مع كل صَلاةٍ)(1).

·  و عن أَنَس بن مَالِكٍ قال:(ما صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلَاةً ولا أَتَمَّ من النبي - صلى الله عليه وسلم- وَإِنْ كان لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَيُخَفِّفُ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَنَ أُمُّهُ)(2).

·  و عن أبي وَائِلٍ قال:كان عبد اللَّهِ يُذَكِّرُ الناس في كل خَمِيسٍ فقال له رَجُلٌ: يا أَبَا عبد الرحمن لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ. قال: (أَمَا إنه يَمْنَعُنِي من ذلك أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يَتَخَوَّلُنَا بها مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا)(3).

 

الحديث عن الرفق و الرحمة من أفق محمد - صلى الله عليه وسلم- يغيث القلوب الجرداء، وينعش النفوس الظمأى، فقد تجاوز حدود الرفق والرحمة في أمور الدنيا التي ألفها الناس ممن أُلهم هذه الصفة، وعرف بها في حياته الزوجية والأسرية والاجتماعية.

في حين تتجلى عظمة هذا الخلق النبوي حين يتخلّى الحبيب - صلى الله عليه وسلم- عن استمراء أحب الأمور إليه, و أعزها لديه، التي هي من جملة العبادة؛ مخافة المشقة على أمته !!

 

فيقول بأبي هو و أمي: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء)

و يصلي بالناس الجماعة فيحيي لذة العبادة بالوقوف والمناجاة لله رب العالمين، تلك الصلاة التي هي راحته وغاية أنسه وسعادته، فيخفّفها عندما يسمع بكاء الصبي؛ رحمةً بأمه ، و رعايةً لعاطفتها الفطرية تجاهه.

 

قال النووي - رحمه الله-:  فيه دليل على الرفق بالمأمومين وسائر الأتباع، ومراعاة مصلحتهم، وأن لا يدخل عليهم ما يشق عليهم، وإن كان يسيراً من غير ضرورة(4).

 

لقد أدرك أصحابه - رضي الله عنهم- هذا الأدب الجمَّ من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم-، و بلاغةِ أثره عليهم، وحاجتِهم إليه فاحتذوا به إتباعاً لسنته، واقتداءً بهديه .

ففي مجال الموعظة ـ التي دعا إليها القرآن الكريم ـ نرى ابن عمر - رضي الله عنه- يتحرّى الأوقات المناسبة لنشاط النفوس واشتياقها للحضور فيعظهم كل أسبوع،ن ويأبى تذكيرهم كل يوم بالرغم من سؤالهم لها.

و يعلّل ذلك بقوله:" أَمَا إنه يَمْنَعُنِي من ذلك أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يَتَخَوَّلُنَا بها مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا".

قال النووي - رحمه الله-: فيه الاقتصاد في الموعظة لئلا تملها القلوب فيفوت مقصودها(5).

 لقد تجلّى لنا مما روي عنه - صلى الله عليه وسلم- في هذا الباب من الأحاديث الغفيرة عظم شفقته - صلى الله عليه وسلم- ورحمته بأمته، وسماحة شريعته، حيث أرشدهم إلى ما فيه صلاح دينهم، واستقامة عبادتهم، وأمرهم بالتيسير في النوافل، ونهاهم عن التشديد فيها؛ ليمكنهم الدوام عليها بلا مشقة أو ملل؛ لأن النفس تنشط إلى ما تطيق من العبادة، ويحصل لها المقصود من العمل، وهو حضور القلب، وانشراحه، فتتم العبادة مع المواظبة عليها ويكثر الثواب لتكرّر العمل وملازمته(6).

و القليل الدائم خيرٌ من كثيرٍ ينقطع، وإنما كان خيرًا لأن به دوام الإقبال على الله سبحانه بالطاعة والذكر والمراقبة، وإخلاص النية، ويثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرة(7).

·  و الأحاديث الواردة في تخفيف النبي - صلى الله عليه وسلم- عن أمته، لا تنافي هدي النبي - صلى الله عليه وسلم- في الاجتهاد في العبادة، والإكثار منها، والمداومة عليها، وإن أضرَّ بنفسه فصلى حتى تتفطّر قدماه، أو صام حتى يواصله يومًا ويومين؛ لأنه أعطي من الجَلَد والصَّبر والقوَّة ولذََّة العبادة ما لم يؤت غيره، ففارقهم.

لقد آتاه الله – سبحانه- قرة العين بذكره، والتنعّم بحبه، وبهجة النفس بطاعته، والشوق إلى لقائه، فلا شيء ألذَّ له من طاعته، وطيب حياته بعبادته، فحاله أفضل الأحوال وأكملها(8).

 

 تكتب هذه السلسلة

 د/ منى القاسم


(1)          متفق عليه صحيح البخاري (847) و مسلم (252).

(2)          متفق عليه، صحيح البخاري (676) ومسلم (470).

(3)          صحيح البخاري (70).

(4)          شرح النووي ج4/ص187.

(5)          شرح النووي على صحيح مسلم ج17/ص164

(6)          ينظر: شرح ابن بطال (3/144)، شرح النووي (6/312)، شرح الكرماني (1/173)، فتح الباري (1/138)، عمدة القاري (7/209)، إرشاد الساري (1/189)، فيض القدير (4/354)، عون المعبود (7/56).

(7)          بتصرف يسير،شرح النووي (6/312).

(8)          ينظر: المفهم (3/1339-1340)، زاد المعاد (2/32)، طريق الهجرتين (ص474)، تحفة الأحوذي (2/382).