بحث عن بحث

 

 

الخاتمة

 

بعد رحلة سريعة ماتعة في رياض الشمائل النبوية الزاخرة بألوان الجمال, الساحرة بأفانين الأدب الحسان, نقف لنستجلي آثار تلك الشمائل على شخصية النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه, وأمته ونقطف بعض ثمارها.

1- الاستدلال بها على صدق نبوته, واصطفائه للرسالة, والإيمان به, فلم يكن في عصره ومن بعده من داناه في كماله خلقاً وخلقاً, فهو كما وصفه الذي اختاره بقوله: (وإنك لعلى خلق عظيم)(1), وحقيق لمن بلغ من الفضائل غايتها, واستكمل لغايات الأمور آلتها, أن يكون لزعامة العالم مؤهلاً, وللقيام بمصالح الناس موكلاً, ولا غاية بعد النبوة فاختص بها صلى الله عليه وسلم (2).

وقد حظي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بفضائل وكرامات فاقت غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مصداقاً لقوله: (ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً(3).

    كيف ترقى رقيك الأنبياء      **      يا سماء ما طاولتها سماء ؟!!(4).

2- تجلي معنى القدوة الحسنة, ففي شمائله الكريمة تطبيق عملي لما أمر الله به من الأخلاق الكريمة والصفات الفاضلة, قال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً(5), وتحقيق لمكارم الأخلاق التي دعا إليها الإسلام وحثّ عليها القرآن الكريم, كما قالت عائشة رضي الله عنها في وصفه: "كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه"(6).

وبذلك عرف أن كمالات خلقه لا تتناهى كما أن معاني القرآن لا تتناهى, وأن التعرض لحصر جزئياتها غير مقدور للبشر) (7).

وظل الناس يلمسون طيب شمائله في معاملته لهم, و ولايته عليهم, ومعاشرته ومأكله ومشربه ومدخله ومخرجه وحله وسفره, وسلمه وغزواته وسائر شؤون حياته, ويتأسّى بها من اهتدى.

3- تحليه بهذه الشمائل الفاضلة, بتوازنها وتكاملها وثباتها وانسجامها يجعل شخصيته معجزة خالدة ! يعز نظيرها في الواقع, إذ هو النبي الذي كملت فيه معاني الإيمان, وآداب الإسلام, ومقام نبوته شامل لكل أنواع الحكمة والعبادة والأدب, جامع لكل خير وعزّ وسؤدد.

4- أن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم مبنية على أصول قطعية الثبوت والدلالة من العلم الإلهي, فلم تنشأ من تجربة أو فلسفة, أو تعليم وتدريب, فشمائله كانت في أصل خلقته واكتملت بعد نبوته بالجود الإلهي والفيض الرباني الذي لم تزل تشرق أنواره في قلبه إلى أن وصل لأعظم غاية وأتمّ نهاية.

وتلك الشمائل هي وعاء النبوة, وأسُّ الوحي, وجوهر العناية الربانية (8), قال تعالى: (وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما(9), وهي قرينة لعلمه الجم الذي دعا ربه أن يزيده منه: (وقل رب زدني علما)(10).

5- محبة النبي صلى الله عليه وسلم من قبل أصحابه وأمته, وتأليف القلوب إليه, وشهادة المنصفين من أعدائه بعظمته وبراءته من أي نقص خلقي.

شهد الأنام بفضله حتى العدا      **      والفضل ما شهدت به الأعداء

وقد زخرت السيرة النبوية بمواقف متوافرة من حياة الصحابة رضي الله عنهم تدلل على عمق محبتهم, وصدق مودتهم, حتى استرخصوا النفس والمال والولد والأهل فداء له ولدينه, وبادروا لتقديم ما يجب له من الصلاة عليه, والدفاع عنه وتعظيمه, واتباع سنته.

6- فضيلة التأسي بأخلاقه النبيلة, وسجاياه الكريمة, وأثرها على النفس بهدايتها وزكاتها واطمئنانها, والأسرة بتآلفها ونجاحها واستقامتها, والأمة بصلاحها ونصرها وسعادتها.

وختاماً.. نسأل الله أن يجعلنا هداة مهتدين, غير ضالين ولا مضلين, وأن نكون لسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مقتدين , وبشمائله ممتثلين, وبالحق عاملين, وفي الجنان منعمين, الله آمين.


 


(1) سورة القلم الآية: (4).

(2) أعلام النبوة للبوصيري (2 304)

(3) سورة الفتح الآية: (2).

(4) من قصيدة أحمد شوقي.

(5) سورة الأحزاب الآية: (21).

(6) والمعنى: العمل به والوقوف عند حدوده والتأديب بآدابه والاعتبار بأمثاله وقصصه وتدبره وحسن تلاوته عون المعبود (4/ص154), والحديث أخرجه الطبراني في الأوسط (1/30) وأحمد في مسند من طرق عدة عنها (6/91), (6/163), (216).

(7) فيض القدير (5/ص 170).

(8) شمائل المصطفى ص 106

(9) سورة النساء الآية: (113).

(10) سورة طه الآية: (114).