بحث عن بحث

 

صدقه ومروءته صلى الله عليه وسلم

 

إذا كان الصدق خلقاً تدعو إليه الفطرة وتحبّذه – ولو لم يكنن هناك شرع يدعو إليه ويرغب فيه- فإن كل ذي فطرة سليمة يحافظ عليه ويلتزم به على كل أحواله.

وقد اشتهر بعض أشراف العرب بذلك قبل الإسلام لأغراض دنيوية، واعتبارات اجتماعية، فإذا عُلم من أحدهم كذباً سقط من اعتبارهم، وانتزعت الثقة منه، وباء بخسارة تجارته وانتقاص منزلته.

أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد تحقق فيه خلق الصدق والمروءة بأبهى صورها منذ بزوغ نجمه، ونعومة أظفاره، واطراد شبابه، محبة له وقناعة بقيمته وحسن عاقبته، فما كان يعرف في قومه إلا بالصادق والأمين ولماً يوح إليه بعد.(1)

وحينما اختاره ربه تبارك وتعالى لتبليغ رسالته، وبيان شريعته، كان رسوخ الصدق في شمائله عظيماً والداعي إليه كبيراً، حيث كان من دلائل نبوته، وأمارات اصطفائه.

يؤكد ذلك قول الله تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)(2) وقال تعالى: (قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم)(3).

فكانت رسالته هي الصدق كله والحق عينه، ويستحيل أن ينحرف لسانه أو يتطرق إلى منطقه وسلوكه حرف زور أو ميل وجور، ولذا فإن تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن آفة الكذب عمداً أو سهواً واجبٌ بالدليل الشرعي، والعقلي، والبرهان السابغ والإجماع.

إن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة، رسالة دائمة على ممر الزمان ويستحيل عقلاً وواقعاً تواتر العمل بها واستمرائها من غير مقومات راسخة ودعائم متينة من الصدق الذي لا تحريف فيه ولا كذب في نقل الخبر وبيان الأثر.

فالثبات والاستمرارية يتطلبان ضرورة وجود العصمة في نقل الأخبار حتى تتلقاه الأمة، ويستقر تعلقه في الذمّة.(4)

ولقد كانت هيئة النبي صلى الله عليه وسلم وقسماته النيرة شاهداً آخر على مبلغ مكانته من الصدق، في الجد والهزل، والقول والفعل، وأنه الصادق المصدق، كما ثبت من الحبر عبدالله بن سلام (رضي الله عنه) الذي ما إن رأى النبي صلى الله عليه وسلم حتى استيقن صدقه وعرف أن وجهه ليس بكذّاب، وأعلن إسلامه وتبرأ من كيد اليهود وتكذيبها وعنادها.

وأجاد عبد الله بن رواحة حين قال:

لو لم تكن فيه آيات مبينة      **    كانت بديهته تنبيك بالخبر(5)

وكانت شهادة زوجه خديجة (رضي الله عنها) في أوائل نبوته وبدء نزول الوحي عليه بالصدق المعهود والمروءة التامة من دلائل اصطفاء الله له، وبشائر إرادة الخير له، وحفظه من كل سوء، قالت: "أبشر، فو الله لا يخزيك الله أبداً، فو الله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث...".(6)

فهذه شهادة من خبر أخلاقه، وسبر أحواله، وعرف سيرته ولا ينبئك مثل خبير.

قال الكاتب المستشرق الانجليزي (Heg Wells): "إن من أرفع الأدلة على صدق محمد كون أهله وأقرب الناس إليه يؤمنون به، فقد كانوا مطلعين على أسراره، ولو شكّوا في صدقه لما آمنوا به."(7)

 


(1) يبنظر: أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن والسنة (1/412).

(2) سورة النجم، الآية: 3-4.

(3) سورة النساء، الآية: 170.

(4) ينظر: شمائل المصطفى صلى الله عليه وسلم ص480.

(5) أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن والسنة (1/412).

(6) متفق عليه.

(7) الإسلام والرسول في نظر منصفي الشرق والغرب (ص132).