بحث عن بحث

شهر رجب والأشهر الحرم

خرج البخاري (4662) ومسلم (1679) في الصحيحين من حديث أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم خطب في حجة الوداع فقال في خطبته : ( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات : ذو القعدة، و ذو الحجة، و المحرم، و رجب مضر الذي بين جمادى و شعبان ) و ذكر الحديث

وقال الله عز و جل : ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات و الأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) (التوبة:36)

 

1 ـ دلت الآية والحديث على أن الله سبحانه ـ منذ خلق السماوات و الأرض ـ جعل السنة اثني عشر شهرا بحسب الهلال، فالسنة في الشرع مقدرة بسير القمر و طلوعه لا بسير الشمس و انتقالها ـ كما يفعله أهل الكتاب ـ وجعل الله تعالى من هذه الأشهر أربعة أشهر حرما و قد فسرها النبي صلى الله عليه و سلم في هذا الحديث و ذكر أنها ثلاثة متواليات : ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم، وواحد فرد و هو شهر رجب.

2 ـ  اختلف في أي هذه الأشهر الحرم أفضل ؟ فقيل : رجب، قاله بعض الشافعية وضعفه النووي و غيره. و قيل: المحرم،  قاله الحسن و رجحه النووي. و قيل : ذو الحجة روي عن سعيد بن جبير و غيره، قال ابن رجب: و هو أظهر و الله أعلم .

3 ـ  قوله صلى الله عليه و سلم : ( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات و الأرض السنة اثنا عشر شهرا ) مراده بذلك إبطال ما كانت الجاهلية تفعله من النسيء كما قال تعالى : ( إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما و يحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله )

وقد اختلف في تفسير النسيء، فقالت طائفة : كانوا يبدلون بعض الأشهر الحرم بغيرها من الأشهر فيحرمونها بدلها، و يحلون ما أرادوا تحليله من الأشهر الحرم إذا احتاجوا إلى ذلك، و لكن لا يزيدون في عدد الأشهر الهلالية شيئا. ثم من أهل هذه المقالة من قال : كانوا يحلون المحرم فيستحلون القتال فيه لطول مدة التحريم عليهم بتوالي ثلاثة أشهر محرمة ثم يحرمون صفر مكانه فكأنهم يقترضونه ثم يوفونه، و منهم من قال : كانوا يحلون المحرم مع صفر من عام و يسمونها صفرين ثم يحرمونهما من عام قابل و يسمونهما محرمين قاله ابن زيد بن أسلم، وقيل : بل كانوا ربما احتاجوا إلى صفر أيضا فأحلوه و جعلوا مكانه ربيعا ثم يدور كذلك التحريم و التحليل بالتأخير إلى أن جاء الإسلام و وافق حجة الوداع صار رجوع التحريم إلى محرم الحقيقي و هذا هو الذي رجحه أبو عبيدة و على هذا فالتغير إنما وقع في عين الأشهر الحرم خاصة .

وقالت طائفة أخرى : بل كانوا يزيدون في عدد شهور السنة وظاهر الآية يشعر بذلك حيث قال الله تعالى : ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ) فذكر هذا توطئة لهدم النسيء و إبطاله، ثم من هؤلاء من قال : كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرا قاله مجاهد، وقيل: كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرا وينسئون كل شهر للذي بعده، ومن هؤلاء من قال : كانت الجاهلية يجعلون الشهور اثني عشر شهرا و خمسة أيام قاله إياس بن معاوية .

4 ـ اختلفوا في أي عام عاد الحج إلى ذي الحجة على وجهه و استدار الزمان فيه كهيئته : فقالت طائفة : إنما عاد على وجهه في حجة الوداع و أما حجة أبي بكر الصديق فكانت قد وقعت في ذي القعدة هذا قول مجاهد و عكرمة بن خالد و غيرهما، وقالت طائفة : بل وقعت حجة الصديق في ذي الحجة قاله الإمام أحمد و أنكر قول مجاهد و استدل بأن النبي صلى الله عليه و سلم أمر عليا فنادى (يوم النحر لا يحج بعد العام مشرك ) و في رواية ( و اليوم يوم الحج الأكبر ) وقد قال الله تعالى ( و أذان من الله و رسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين و رسوله ) فسماه يوم الحج الأكبر و هذا يدل على أن النداء وقع في ذي الحجة. و خرج الطبراني في المعجم الأوسط (2909) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كان العرب يحلون عاما شهرا و عاما شهرين و لا يصيبون الحج إلا في كل ستة و عشرين سنة مرة واحدة : و هو النسيء الذي ذكره الله في كتابه فلما كان عام حج أبي بكر الصديق بالناس وافق في ذلك العام الحج فسماه الله يوم الحج الأكبر ثم حج النبي صلى الله عليه و سلم في العام المقبل فاستقبل الناس الأهلة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات و الأرض ) .

5 ـ اختلفوا لم سميت هذه الأشهر الأربعة حرما ؟ فقيل : لعظم حرمتها و حرمة الذنب فيها، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : اختص الله أربعة أشهر جعلهن حرما و عظم حرماتهن و جعل الذنب فيهن أعظم و جعل العمل الصالح و الأجر أعظم. وقال كعب : اختار الله الزمان فأحبه إلى الله الأشهر الحرم و قد روي مرفوعا و لا يصح رفعه وقد قيل : في قوله تعالى : ( فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) أن المراد في الأشهر الحرم، و قيل : بل في جميع شهور السنة، وقيل : إنما سميت حرما لتحريم القتال فيها و كان ذلك معروفا في الجاهلية، وقيل : إنه كان من عهد إبراهيم عليه السلام .

وقد شرع الله في أول الإسلام تحريم القتال في الشهر الحرام قال تعالى: ( لا تحلوا شعائر الله و لا الشهر الحرام ) وقال تعالى: ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام و إخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ) وخرج ابن أبي حاتم بإسناده عن جندب بن عبد الله : إن النبي صلى الله عليه و سلم بعث رهطا و بعث عليهم عبد الله بن جحش فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه و لم يدروا أن ذلك من رجب أو من جمادى، فقال المشركون للمسلمين : قتلتم في الشهر الحرام فأنزل الله عز وجل: ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ) الآية. وجاءت هذه القصة مبسوطة عن ابن عباس وعن ابن مسعود في هذه الآية وفيها : ( فقال المشركون : يزعم محمد أنه يتبع طاعة الله و هو أول من استحل الشهر الحرام ؟ فقال المسلمون : إنما قتلناه في جمادى و قيل في أول رجب و آخر ليلة من جمادى و أغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب و أنزل الله تعالى تعييرا لأهل مكة : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ) لا يحل، و ما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام حين كفرتم بالله و صددتم عن محمد و أصحابه و إخراج أهل المسجد الحرام حين أخرجوا منه محمدا أكبر من القتل عند الله) ، و ذكر ابن اسحاق أن ذلك كان في آخر يوم من رجب و أنهم خافوا إن أخروا القتال أن يسبقهم المشركون فيدخلوا الحرم فيأمنوا و إنهم لما قدموا على النبي صلى الله عليه و سلم قال لهم : ( ما أمرتكم في الشهر الحرم و لم يأخذ من غنيمتهم شيئا ) و قالت قريش : قد استحل محمد و أصحابه الشهر الحرام فقال من بمكة من المسلمين : إنما قتلوهم في شعبان فلما أكثر الناس في ذلك قوله تعالى : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ) الآية.

و روي نحو هذا السياق عن عروة و الزهري و غيرهما و قيل بأنها كانت أول غنيمة غنمها المسلمون . 

6 ـ  سبب تحريم هذه الأشهر: قيل : إن سبب تحريم هذه الأشهر الأربعة بين العرب لأجل التمكن من الحج و العمرة فحرم شهر ذي الحجة لوقوع الحج فيه و حرم معه شهر ذي القعدة للسير فيه إلى الحج و شهر المحرم للرجوع فيه من الحج حتى يأمن الحاج على نفسه من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه، و حرم شهر رجب للاعتمار فيه في وسط السنة فيعتمر فيه من كان قريبا من مكة .

7 ـ  اختلف العلماء في حكم القتال في الأشهر الحرم هل تحريمه باق أو نسخ؛ فالجمهور : على أنه نسخ تحريمه، ونص على نسخه الإمام أحمد و غيره من الأئمة. و ذهبت طائفة من السلف منهم عطاء : إلى بقاء تحريمه، و رجحه بعض المتأخرين و استدلوا بآية المائدة، و المائدة من آخر ما نزل من القرآن ، وقيل ليس فيها منسوخ، وفي المسند 6/188 والحاكم2/311 وصححه على شرط الشيخين أن عائشة رضي الله عنه قالت : [ هي آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه و ما وجدتم فيها حرام فحرموه ] و روى الإمام أحمد في مسنده3/334،345 يإسناد صحيح عن جابر قال : [ لم يكن رسول الله صلى الله عليه و سلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى و يغزو فإذا حضره أقام حتى ينسلخ ] و ذكر بعضهم أن النبي صلى الله عليه و سلم حاصر الطائف في شوال فلما دخل ذو القعدة لم يقاتل بل صابرهم ثم رجع و كذلك في عمرة الحديبية لم يقاتل حتى بلغه أن عثمان قتل فبايع على القتال ثم لما بلغه أن ذلك لا حقيقة له كف و استدل الجمهور بأن الصحابة اشتغلوا بعد النبي صلى الله عليه و سلم بفتح البلاد و مواصلة القتال و الجهاد و لم ينقل عن أحد منهم أنه توقف عن القتال و هو طالب له في شيء من الأشهر الحرم و هذا يدل على إجماعهم على نسخ ذلك و الله أعلم .

8 ـ قوله صلى الله عليه و سلم : ( و رجب مضر ) سمي رجب رجبا لأنه كان يرجب؛ أي يعظم ،كذا قال الأصمعي و المفضل و الفراء.

 و أما إضافته إلى مضر فقيل : لأن مضر كانت تزيد في تعظيمه و احترامه فنسب إليهم لذلك، و قيل : بل كانت ربيعة تحرم رمضان و تحرم مضر رجبا فلذلك سماه رجب مضر. و حقق ذلك بقوله الذي بين جمادى و شعبان .

9 ـ ذكر بعضهم أن لشهر رجب أربعة عشر اسما : شهر الله، و رجب، و رجب مضر، و منصل الأسنة، و الأصم، و الأصب، و منفِّس، و مطهِّر، و معلَّى، و مقيم، و هرم، و مقشقش، و مبريء، و فرد. و ذكر غيره : أن له سبعة عشر اسما فزاد : رجم بالميم، و منصل الألَّة وهي الحربة، و منزع الأسنة .

   وسيأتي ما يتعلق بشهر رجب من أحكام في الحلقة القادمة إن شاء لله تعالى، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.