الأمثال الواردة في حديث الحارث الأشعري (2-3)

 

في الحديث أربعة أمثال؛ وهي:

1.   مثل من يشرك بالله تعالى، كمثل مملوك يأكل مال سيده ويسكن في بيته، ولكن يدفع ما يكسب إلى غير سيده، فلا يرضى أيّ إنسان بهذا، فكيف يرضى الله لنفسه مع أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم وأجمل صورة، ورزقه من عنده رزقًا غدقًا، وأسكنه فسيح أرضه، فكيف يليق بالإنسان أن يعبد غيره؟ فلنمَعِّن نص الحديث: (أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا؛ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِوَرِقٍ أَوْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ يَعْمَلُ وَيُؤَدِّي غَلَّتَهُ إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ, فَأَيُّكُمْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ؟, وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ فَاعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا).

 وقد شرح الإمام ابن القيم رحمه الله هذا الحديث في كتابه: "الوابل الصيب من الكلم الطيب" شرحًا وافيًا، فيحسن أن ننقله هنا: قال رحمه الله: " ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم- مثل الموحد والمشرك: فالموحد كمن عمل لسيده في داره وأدى لسيده ما استعمله فيه، والمشرك كمن استعمله سيده في داره، فكان يعمل ويؤدي خراجه وعمله إلى غير سيده، فهكذا المشرك يعمل لغير الله تعالى في دار الله تعالى، ويتقرب إلى عدو الله تعالى بنعم الله تعالى، ومعلوم أن العبد من بني آدم لو كان مملوكه كذلك لكان أمقت المماليك عنده، وكان أشد شيء غضبًا عليه, وطردًا له وإبعادًا، وهو مخلوق مثله، كلاهما في نعمة غيرهما، فكيف برب العالمين الذي ما بالعبد من نعمة فمنه وحده لا شريك له، ولا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يصرف السيئات إلا هو، وهو وحده المنفرد بخلق عبده، ورحمته، وتدبيره، ورزقه، ومعافاته، وقضاء حوائجه، فكيف يليق به مع هذا أن يعدل به غيره في الحب، والخوف، والرجاء، والحلف، والنذر، والمعاملة، فيحب غيره كما يحبه أو أكثر، ويخاف غيره ويرجوه كما يخافه أو أكثر؟ وشواهد أحوالهم- بل وأقوالهم وأفعالهم- ناطقة بأنهم يحبون أنداده من الأحياء والأموات، ويخافونهم، ويرجونهم، ويعاملونهم، ويطلبون رضاهم، ويهربون من سخطهم أعظم مما يحبون الله تعالى، ويخافونه ويرجونه، ويهربون من سخطه، وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله عز وجل، قال الله سبحانه وتعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)[سورة النساء: 48، 116]"(1).

              

2.   مثل الصوم، كمثل رجل معه طيب من أطيب الأنواع، فإذا مشى بين الناس يشمون رائحته، وهذا نص الحديث: (وَآمُرُكُمْ بِالصِّيَامِ؛ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ؛ كَمَثَلِ رَجُلٍ مَعَهُ صُرَّةٌ مِنْ مِسْكٍ فِي عِصَابَةٍ كُلُّهُمْ يَجِدُ رِيحَ الْمِسْكِ). ويناسب هذا المثل ما جاء من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ)(2).

  يقول ابن القيم رحمه الله: " إنما مثّل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بصاحب الصُرَّة التي فيها المسك، لأنها مستورة عن العيون، مخبوءة تحت ثيابه، كعادة حامل المسك، وهكذا الصائم صومه مستور عن مشاهدة الخلق، لا تدركه حواسهم، والصائم هو الذي صامت جوارحه عن الآثام، ولسانه عن الكذب والفحش وقول الزور، وبطنه عن الطعام والشراب، وفرجه عن الرفث، فإن تكلم لم يتكلم بما يجرح صومه، وإن فعل لم يفعل ما يفسد صومه، فيخرج كلامه كله نافعًا صالحًا وكذلك أعماله، فهي بمنزلة الرائحة التي يشمّها من جالس حامل المسك، كذلك من جالس الصائم انتفع بمجالسته له، وأمن فيها من الزور والكذب والفجور والظلم" (3).

 


 

(1)        الوابل الصيب من الكلم الطيب لابن القيم، ص: 46-47.

(2)         صحيح البخاري، برقم: (1894).

(3)         الوابل الصيب من الكلم الطيب لابن القيم، ص: 61.



بحث عن بحث